المشاركات

الندوة

صورة
إبراهيم جعفر مكرم 1        مع أولِ بوادر المساء، حيث بدا الجو صحواً ومناسباً، سارَ الكاتبُ المرموق، صاحب التجربة الثرة والنتاج المبدع، نحو ندوة ثقافية تقام احتفاءً به، تخليداً لكونه أصبح قامة. سار نشيطاً على طول الرصيف، عَبَرَ عدة طرق فرعية، ثم لأن الوقت ما زال مبكراً على الأمسية عرج هنا وهناك تمضية للزمن. لكنه مع ذلك وصل للمركز الثقافي مبكراً، مبكراً جداً، فاضطر لأن يجلس في الحديقة الخارجية، على النجيل، بسيطاً ومتسالماً وبتواضع سخي.       لم يكن الكاتب القامة في صراع كِبر مع ذاته، وإنما يحمل في دواخله على الدوام صورة متناغمة عنه، فهو أبداً لا يرى نفسه أديباً عظيماً كما يشاع، بقدر ما أنه رجل عادي وهش، وأنه على الرغم من سنواته السبعين، التي قضاها كلها في الأدب والكتابة، فإنه ما يزال في بديات بدياته، يتلمّس النور.        إنها أول ندوة عنه يشارك فيها بصفته متكلماً، لقد ضغط عليه رفقاءه وتلاميذه وأجبروه لأن يوافق، واحترموا شروطه بأنها ستكون ندوة بسيطة وحميمية، دون أي بهرجة أو غلو. لقد حضر الكاتب القامة آلاف الندوات الأدبية منذ أن كان ي...

حكاية الزول الذي صدمته سيارة جيب

صورة
  إبراهيم جعفر مُكرم  1      في تمامِ الساعة الخامسة فجراً، على الطريقِ الفرعي، صدمتْ سيارة جيب مسرعة ”الزول“ وألقته على بعد عدة ياردات من الرصيف… كان صدى الاِرتطام رهيباً، لدرجة أن الأمهات اللاتي سمعن صرير اِحتكاك الدواليب مع الإسفلت صلّين لأجل أن يحفظ الله أولادهن… للأسف، فرَّ سائق العربة حين تأكد من خلو المكان، فر بخساسة ولم يترك وراءه أثر، قال: (لو كان في عمره بقية فسيعيش !)… لكن الزول، ورغم كل شيء، عاش. وبطريقة ما استطاع أن يزحف ويموضع جسده وسط الشارع.. لم يكن يشعر بالألم إنما بالخواء. واحتاج لجهد مقدر فقط كي يعي أن ما حصل الآن حقيقة. كان جسمه الهزيل يعوم داخل بركة من الدم الأحمر القاني.. وبالكاد، سمحت له الأنفاس الخافتة المتسارعة أن يصدر همهمات اِستغاثة. وما أن خطرت بباله فكرة أنه يموت وراودته الذاكرة حتى فزع وبدت له الدنيا متمددة ولا نهائية!      ظل الزول مرمياً هكذا على قارعة الشارع.. ومضى وقت طويل حتى سمع أزيز أول محرك يمر بجانبه.. كان لموتر ركشة، ترجل سائقها وطاف حول مسرح الحادث.. وسأل الجسد المكوم بلطف بالغ: (يا أخ، هل أنت بخير؟!)... ل...

الصف

صورة
إبراهيم جعفر مُكرم       نحن نعلم أنه مضى على انتظار أ. ج. م. في الصف ست ساعات، ونعلم أيضاً أنه كي يحصل على هذا الموقع المتقدم تطلب منه الأمر بذل جهد ضخم، فلقد استيقظ مبكراً قبل شروق الشمس، وركض مسرعاً ليحجز له مكاناً، ومن ثم تحمل بجلد حر الظهيرة الحارق. لذلك لم يكن له بأي وسيلة أن يتقهقر ويخلي مكانه.. تاركاً جل الأمر يضيع سدى.     لكننا لا نعرف على وجه الدقة ماهية ذلك الصف أو إلى أين يؤدي، وبالكاد نجزم أن تاريخ الحقبة الزمانية الذي أجبر أ. ج. م. على ممارسة ذلك النشاط هو سنوات سقوط الدكتاتور. وبالتمحيص في طول الطابور البشري -الذي يبدو امتداده لا نهائياً- وجدنا أنه يمكن أن يكون صفاً لأي شيء؛ تجمهراً لأجل الرغيف أيام أزمة الخبز، ازدحاماً أمام كابينة صراف آلي، تكدساً من أجل الحصول على مشتقات البترول، أو حتى طابوراً لمعتقلين سياسيين.      أخيراً تحرك الصف ببطء، وتحرك معه أ. ج. م. ، مدَّ قدميه المتيبستين، تمطى، ومضى إلى الأمام.. لكن تعابير التذمر على محيّاه جعلتنا ندرك أن الصف لم يتقدم منذ تشكله سوى بضع أمتار، ومن تكشيرة أنفه المشمئزة أدركنا نتا...

مقتل تانك

صورة
إبراهيم جعفر مُكرم  (وجب التنويه إلى أن هذه القصة خيالية ولا تمت للواقع بصلة، وإن حدث وتطابقت الوقائع والشخصيات مع أحداث مماثلة فهو من باب المصادفة ليس إلا!) • تانك؟      قد يبدو لك اسم "تانك" غريباً كي يُكنى به طبيب، أو بالأصح مساعد طبي... وذلك لأن تانك على مدار سنواته البعيدة لم يكن سوى فني تمريض يعمل على إعطاء الحقن الوريدية وخياطة الجروح البسيطة مع تغير ضماداتها دورياً.. لكنه استطاع، وبمجهوداته الخاصة، وعلاجه لعدة حالات مستعصية كحالة الحاجة "مدينة" و "ست البنات" أم "الزين" و "الزين" وقت أن اعترته الشقيقة، وآخرين كثر.. من أن ينال شهرة لا تضاهيها شهرة في علاج الأمراض الفتاكة في كل الريف الشمالي لأمدرمان... وأن يستحق بجدارة لقب الدكتور أمام اسمه المضحك.       "تانك"، اللقب الذي حورته السنون وتلاعبت بجزئيات حروفه كما تلاعبت بكلّيات صاحبه.. من سي الأستاذ "كانط" الفيلسوف الذي يسكن منطقة الديم ويقطع بدراجته "الدبل" المسافة بين الحلة ومشفى الخرطوم في ربع ساعة فقط. بدّلته الأيام، من الرجل الهيبي الذي أقام مراس...

يَدٌ

صورة
إبراهيم جعفر مكرم       عندما جاء الرجال العسكريون بما بقي من جثة الضابط إلى الأرملة، جلستْ تبكي قُرب الرفات المخضبة بالدم. ولم يستطيعوا أن يثنوها من أخذ اليد المبتورة وضمها إلى حجرها، متذكرة بتأوهات وأنين لكل اللمسات الأبدية التي خصّها بها. كانت الأرملة قد حملت اليد ووضعتها على الشرفة داخل الأصيص.. ألبستها خاتم زواجهما الفضي، وأعلنت الحداد على روحها مدى الحياة.       في البدء نمت اليد باردة ومزرقة، لكن مع الاعتناء بها تفتحت بتلات أصابعها تحت ضوء الشمس كزهرة، وجاء النحل مسافراً إليها من بعيد، تجذبه رائحة العطر الشذي الذي ملأ الأرجاء. كانت الفراشات الملونة تحوم حول الرحيق والندى، فراشات لم تُرَ من قبل، تحلق وتهبط على أطراف الأصابع مسدلة أجنحتها كملكات. وعندما تهب الريح، خفيفة وناعسة، كانت اليد تلوح كفها للمارة الحائرين، مرحبة بهم، وداعية لهم طريق السلامة. تتلهب للمصافحة، وتندي للحب.      داومت الأرملة في كل صباح على سقاية يد زوجها وتقلِّيم أظافرها ومواساتها، ماسحة إيّاها بمنديل حدادها لتزيل الرعشة والعرق. كان ما يزال بإمكانها أن تشعر نبضها الح...

عالم الألوان

صورة
إبراهيم جعفر مُكرم           تم منع ”كلرليس“ بواسطة سلطات ضبط تنسيق الألوان من أن يلقي كلمته الخطابية في يوم التباين العالمي؛ بحجة أنه لا يملك بطاقة هوية، وذلك على الرغم من الدعوة الرسمية التي تلقاها من قبل المنظمين لحضور الاحتفال... لقد تمت معاملة كلرليس بقسوة مفرطة وضربه بالهاراوات والعصي، وتم اعتقاله لعدة ساعات بذريعة إزعاج التمازج والانسجام.        لم يفعل كلرليس تجاه ذلك شيئاً، وحتى عندما جاء منظمو المهرجان مطأطئي الرؤوس ليطلقوا صراحه بكفالة لم يعرهم بالاً، إنما غادر الزنزانة بهدوء رجل يغادر منزله، غطى وجهه بخرقة قماش وانطلق في الطرقات بلا هدى، وخلال دقائق فقط اختفى أثره.        لكن الصبية ”ڤيولت“ انطلقت وراءه، ربما دفعها الشعور بالذنب؛ فهي من أقحمته للمشاركة في يوم التباين العالمي على أي حال، وحاربت من أجل أن تمنحه مجالاً ولو ضئيلاً ليتكلم، واضعة إياه في هذا الكم من المعاناة، والآن هي من أصرت على أن تدفع كفالته من مصروفها الخاص. لذلك كله.. ركضت تبحث عنه في الأزقة الباهتة البيضاء والسوداء، وفتشت الأسواق التي هي بطبيعت...

عجز

صورة
إبراهيم جعفر مكرم          تقول: (هذه الأمسية حلوة!) ثم تنظر إليّ بتبلدٍ، تتخلى عيناها عن الحذر، تبرق، تطلب رداً.       مباشرة أفتحُ فمي بمقدار نصف بوصة، أشرع في تحضير الكلمات المناسبة، أبحث في ركام العقل بين القواميس، أفكك وأركب، أبتزل، أنمق، بعيداً بعيداً.. لكني في الأخير لا أصل إلى إجابة، إنما إلى الخواء العريض الذي إن ما مر به هواء فسيصدر صفيراً بارداً بلا معاني.. أتنحنح حينها، أحرك لساني بسرعة، أبلل شفتيّ، أبصق، أين رحلت أيُّها الكلام اللعين؟! أنقب في الأشلاء الميتة من الذاكرة، من الحوارات المنسية المعادة، لكن مجدداً، اللا شيء يستوطنني. أصمت وأهز رأسي.          هي تمد يدها لتمسد جبينها، تفعل ذلك آلياً، وحينما أنظر إليها -بقلق حاد- تجفل، تسكن، وتغيب...     أغيب بدوري في منلوج داخلي، أتشعب في أزقة البلاهة؛ فما معنى أن يسألك أحدهم عن الأمسية الحلوة فتجيبه بهز رأسك. أرفض ذلك، فلابد من حضور رد محكي من الفم عبر الهواء إلى الأذن، مفهوم وواضح.. لكن، وفي كل مرة أحاول، تشرد مني الكلمات مخلّفة حرارة في الجوف، حرقة بائس...

القَصيدة الأخيرة لحسن لطافة

صورة
إبراهيم جعفر مُكرم       فَزِعتْ الخالة الكبيرة، أقدم سيِّدة عرقي في شارع المصانع، والمشْهود لها من قبل الجُوكِيّة بعمل أجود مشروب كحولي في كل المنطقة الغربية.. حين اكتشفتْ أن الفتى، حَسَن لطَافة، مازال واقفاً أمام الإنداية رغم حر الظهيرة. كانت قد طردتْه في الصباح، كما فعلت على مدار الأيام الثلاثين الأخيرة، مشددة عليه أنها إن رأته هنا مجدداً فستقتله وتعلق رأسه كتميمة. لكن حسن لطافة، الغارق تماماً في النشوة، والممسوس بالخدر اللذيذ للحب والخطيئة، واظبَ على طرق الباب، وسؤالها ذات الطلب المعجز: ( تعرسيني ؟)      في البداية ظنت الخالة الكبيرة أنها لَوْثَة عابرة بفعل العرقي، ضحكتْ على المزحة وسايرتها، فليس هذا أول طلب زواج تتلقاه، لكنها اكتشفتْ أن الفتى النحيل -الذي يمكن أن يكون بعمر أحفادها- جادٌ في أمره ومصر على ما يقول، فاضطرتْ للجلوس معه وسماع حديثه، ولم ترَ عليه أثر خبل أو جنون، وعندما حاولتْ ثنيه عنها بالمنطق فنّد لها حُجَجها كلها، وبدأ يكلمها بصوته الخافت المعسول حتى لَان قلبها. حينها فقط لم تجد حلاً آخر سوى أن تتهرب منه وتتجنبه.       ...

صائدُ الوِزّين

صورة
إبراهيم جعفر مكرم      ”فائزة بجائزة تشجيعية من منتدى البوتقة“          أتتْ أخبارُ الحرب أخيراً يا "أبو سَيَّل"، حزينة وثقيلة على قلبِكَ، وبلا نهاية للتفاصيل، تسوقها إليكَ رائحة البارودِ وضجيج الأنتنوف ودوي المطر، والذكريات المُرّة للأولاد والأحفاد.. الموتُ بالطبع في كل بيتٍ، ونصيبكَ منه اليوم ثلاثة من خِيرة بطونك، لن تتمكن مجدداً من سماع قهقهاتهم وهم يسوقون المِرحَال... لا بأس إذن أيُّها العجوز صائدُ الوِزّين.. لا تبكِ أمام الحكّامات أو الرضع الجياع في معسكر النزوح، لا تبكِ أمام الله أو الشيطان أو المنظمات، ليس أمام أحد.. فقط دع عينيكَ الغائرتين تلمعان، دعهما تحلمان بمرجٍ كامل من الحصاد، على مدِّ شعاع الشمس، على مدِّ قطيع الأبقار القادمة من الجنوب، على مدِّ الصلوات والحِجبات المربوطة حول العضد، على مدِّ الرقص والنقارة.. وأصنع لنفسك سجناً فسيحاً من الذاكرة، يكفي لأن تُروّض فيه أمانيك الخجولة، ولا يكون أبداً سوى للأيام البيضاء، أيام صيد الوِزّين.      لطالما ظننتَ يا "أبو سيّل" أن الحياة بأكملها عبارة عن وِزّينة بريّة تعوم داخل خور ...

حلم

صورة
إ. ج. م .     اِلتقيتُها في غفوة ظهيرة ما. كانت منهكة ويبدو عليها التعب، وبالطريقة التي نظرتْ لي من خلالها عرفتُ بأنها لم تتوقع أن يزورها أحد. تململتْ: (بربكم، إنه منتصف النهار!) وحين لم أبدِ أي خيار تقدمت نحوي قائلة: (إنه وقت راحتي، فهلَّا أنهيت الأمر بسرعة). وهمت مستسلمة لنزع رداءها.        كان المكان مألوفاً، غرفة فارغة للأحلام السريعة، به سرير تجلس عليه إيروتيكا التي باتت الآن عارية. ندهت عليَّ: (تعال وخلصنا، ليس لدي كل اليوم هنا من أجلك!).       أنا لم أكن قط متهيئاً للقاء كهذا، ليس بهذه الطريقة، وفي الأصل لم أعرف ما الذي أتى بي. قلت لها: (لست في المزاج).     لعنتني: (ومن هو الذي في المزاج؟! لقد عاشرتُ نصف الكرة الأرضية بالأمس، والليلة سأعاشر نصفهم الآخر)..      هززت لها رأسي، فالأمر برمته لا يعنيني، ثم انشغلتُ بمراقبة ساعة فضية على الحائط. تبرمت إيروتيكا وارتدت ملابسها بإهمال، بجامة فضفاضة، وانتظرت علّي أظهر تعقيباً ما، مواساة ما، لكنني لم أفعل... حينها استوتْ على السرير، تأملتني بفضول، همست: (أيام عصيبة، هه؟!)،...

انطلوجيا عربجي المرسيدس

صورة
إبراهيم جعفر مكرم     مات الحمارُ في الغدو الباكر، وهذا بالتحديد هو أسوأ ما يمكن أن يحدث لصبي الكارو.. أن ينفق حماره الرمادي، وأن يتزامن ذلك مع شقشقة الطيور الأولى؛ أي قبيل البدء بيوم عمل شاق وليس بعده!      فكر الصبي: (يا للأسى!) وزم شفتيه بغيظ، وراح يحك شحمة أذنه اليسرى لتبدو البلاهة على محياه، تساءل: (لماذا تسلم الحمير -الرمادية منها بالذات- أرواحها في الصباح بدل أن تؤديها في اﻷوقات التي هي أصلا معدة للموت؟!) تمعن: (كوقت القيلولة التي مضى فيها أبي!) وسكن دون تعابير توصله للإدراك الحسي، ودون حتى أن يجد شيئاً يحمله على الصلاة أو مجرد الغفران...      لكن بعد ساعة، عندما حركت نسمة هواء شعر الحمار وتخللته، خالج الفتى الاضطراب، وقدر أنه يجب الصفح عن "كج". بالطبع ليس ﻷنه كان حماراً مطيعاً، فهو أبداً ليس كذلك؛ فحينما يضربه على ظهره ويناديه هيي كج ، فالنسرع.. يلبي نداءه بعجز. لكنه قرر العفو فقط ﻷن حماره الرمادي بدى لوهلة مختلفاً، كأنه يحمل في دواخله روح حصان دؤوب. ولولا موته المبكر، قبيل أداءه لواجبه، لأقسم بأن الذي قضى نحبه جواد أصيل!     ...

البِنْتُ الوَرْدَة و فَتَى المِيْزان

صورة
إبراهيم جعفر مكرم       كُلَّ يوم، مُبكّرة جداً أو مُتأخرة، تقف البنت الوردة أمام فتى الميزان، ذاك الذي يكسب رزقه من قياس أوزان السَّابِلة. تعطيه جنيهاً أو جنيهين، ثم تصعد على المَنَصَّة، مُنتصبةً ويديها حرتين، ثم عندما يسجل الميزان وزنها، تكتبه داخل مفكرة وتمضي..         البنت الوردة نحيلة، تمرُّ من بين قلوب الرجال دون أن تعلق، خفيفة، تداعبها ريح المشاعر فلا تحطّ.. عيناها غائرتان، بُنيّان.. وخدّاها محفوران منسيان، يُظهران بوضوح عظمتي الوجنتين والشدقين... هي عادة ما ترتدي بلوزة فضفاضة وبنطال، على شعرها الأسود تضع خماراً ينسدل فوق كتفها، حقيبتها رمادية بذات لون حذاء الصندل، وعطرها باهت لا يمكن تذكره إلا في غيابها.. حينما تتكلم تصبح تلقائية، حرّة ومندفعة، وحينما تصمت تكثر من الإصغاء وهزّ الرأس... صوتها ربما يكون صوت طفل، لكن ضحكتها ونحيبها يشبهان الليل.. هي جميلة، ولها حبيب منفتح على العالم، وخطيبين سابقين، وأصدقاء وزملاء.. لها شامة فوق حاجبها الأيسر، تدسها بالمكياج، ولها مفاهيم معقدة في ما يتعلق بالدين والرب والمجتمع..         فتى ا...

عبيـد - مسرحية من فصل واحد

صورة
إبراهيم جعفر مُكرم   ● الشخصيات الرئيسية : • عبيد : متظاهر سلمي في احتجاجات ضد الدولة، وهو كذلك شاهد عيان جريمة قتل السيدة "نور"... خلال كل هذه المسرحية لن يتحدث عبيد كثيراً إنما فقط سيؤدي دور حركي تعبيري درامي. • الصوت 1 : هو صوت المتحري الأول، ويبدو بشعاً وله نخنخة ونغم أنفي، يتلاحق كلامه كأنه صادر من شيطان.. • الصوت 2 : هو صوت المتحري الثاني، وهو صوت هادئ جداً ومتعقل، ويحوي في نبراته خبثاً ومكراً..

الكلمة غير القابلة للنطق

صورة
إبراهيم جعفر مُكرم    [ ﻟﻮ أن اﻻﺳﻢَ ‏ "ﻛﻤﺎ ﻳﺰﻋﻢُ اﻹﻏﺮﻳﻘﻲُ ﻓﻲ اﻟﻜﺮاﺗﻴﻠﻮ" ﻋﺒﺎرةٌ ﻋﻦ ﻫﻴﻜﻞِ اﻟﺸﻲء، إذن ﻟﻜﺎﻧﺖ الوردةُ ﻓﻲ اﻟﺤﺮوف اﻟﺘﻲ ﺗﺘﻬﺠﻰ ”اﻟﻮردة“، و ﻟﺘﺪﻓﻖَ ﻛﻞُ اﻟﻨﻴﻞِ ﻓﻲ ﻛﻠﻤﺔِ ”اﻟﻨﻴﻞ “ ]   خورخي لويس بورخيس _______      منذ زمن بعيد، فكَّرَ بأن الكلمة التي يقولها تتحقق، لذلك تملَّكَه الفزع والخوف، وفضل أن يكون صامتاً... استغرب الناسُ الأمرَ في البداية؛ أن يضيعَ صوتُ أحدهم ويعجز عن التعبير، لكنهم مع مرور الوقت اعتادوا على سكونه الحجري وشروده الدائم، وحينما أخفقوا في مداواة خرسه ، نسوه تماماً كما ينسون الأشياء التي لا تصدر جلبة.        هو أيضاً في النهاية ملَّ من كونه أبكماً محاصراً بلغة الإشارة، وأراد أن يجرب، أن يختبر الحدّة الحقيقية لنبرة الصوت، أن يسمع بوضوح كلامه ويراه، لمرة على الأقل.. فوقف عند مقدمة الشارع، ببساطة، منحنياً للأمام وماداً يديه كأنهما أجنحة نسر، ثم تحدث بأول شيء خطر في باله، قال بصوت مسموع: ”محيط!“ لكن ما تسرب من حنجرته لم يكن تدفقاً هوائياً للكلمة بقدر ما كان اندفاعاً مائياً من مفاصل الصوت، تشكلاً كاملاً للهدير والموج و...