صائدُ الوِزّين

إبراهيم جعفر مكرم 

 

 ”فائزة بجائزة تشجيعية من منتدى البوتقة“

 

       أتتْ أخبارُ الحرب أخيراً يا "أبو سَيَّل"، حزينة وثقيلة على قلبِكَ، وبلا نهاية للتفاصيل، تسوقها إليكَ رائحة البارودِ وضجيج الأنتنوف ودوي المطر، والذكريات المُرّة للأولاد والأحفاد.. الموتُ بالطبع في كل بيتٍ، ونصيبكَ منه اليوم ثلاثة من خِيرة بطونك، لن تتمكن مجدداً من سماع قهقهاتهم وهم يسوقون المِرحَال... لا بأس إذن أيُّها العجوز صائدُ الوِزّين.. لا تبكِ أمام الحكّامات أو الرضع الجياع في معسكر النزوح، لا تبكِ أمام الله أو الشيطان أو المنظمات، ليس أمام أحد.. فقط دع عينيكَ الغائرتين تلمعان، دعهما تحلمان بمرجٍ كامل من الحصاد، على مدِّ شعاع الشمس، على مدِّ قطيع الأبقار القادمة من الجنوب، على مدِّ الصلوات والحِجبات المربوطة حول العضد، على مدِّ الرقص والنقارة.. وأصنع لنفسك سجناً فسيحاً من الذاكرة، يكفي لأن تُروّض فيه أمانيك الخجولة، ولا يكون أبداً سوى للأيام البيضاء، أيام صيد الوِزّين.

     لطالما ظننتَ يا "أبو سيّل" أن الحياة بأكملها عبارة عن وِزّينة بريّة تعوم داخل خور أشجار "القرض" المطمور بالماء في الخريف، وأنت هو صيّادها الذي بإمكانه تعقبها مهما يكن، والإمساك بها حيّةً بيديك النزقتين... لذلك أيُّها العجوز الماهر، اتركْ عويل النسوة المترملات واذهبْ إلى حيث يناديك الهمس المميّز والمسموع، إلى رفرفات الأجنحة الضخمة المتلألئة، وإذا ما شئت، فلتبكِ هناك، أمام الحياة، كرجل.

      إذن ستسوقكَ قدماك النحيلتان دون وعي، فقط كاستجابة لنداء طبيعة يسري في الدم، مباشرة إلى عمق غابة السُنُط، ثم عبر طريق متعرج ومظلم إلى داخل بركة المياه الضحلة، حيث عشرات الطيور البرية تلمع كنُجُمٍ في انتظارك. لكن ليس من السهل مباغتة طائر سريع وذكي من قبل عجوز خسر أولاده للتو، فما إن يتحرك الماء من حولك، بسبب ارتعاشك وكبر سنك، حتى تغادر أسراب الوِزّين دون رجعة، تخفق بأجنحتها إلى أعلى ما يمكن لها أن تطير، ناظرة إليك برثاء، محدقةً في حزنك الأبدي...

       وحيدٌ وعاجزٌ، هذا ما ستحس به يا "أبو سَيّل" وأنت مغمور حتى وسطك بالماء الدافئ، سينتابك ألمٌ عضلي، وستتذكر وجوه أولادك فوق مرآة المياه المتكسرة.. إنهم ماتوا لأن الحياة غير عادلة، لأن الحرب دائماً لا تعترف بالذوات المنهوبة.. أتراها أرواحهم حلّقت كسرب إوز في السماء؟!

        لا تبتئس أرجوك، لأن لا أحد بإمكانه قبض الوِزّين بيدين عاريتين عداك، وبما إنك صرت كهلاً فثمة لا أحد على الإطلاق... كانت السماء قد امتلأت بالغيوم المتباعدة المتشكلة على هيئة جنود ضائعين، وكنت أنت الرجل المنسي تسبح بلا هدى في العمق، جسدك الأسود ينزلق كأوراق الشجر اليابس، ولأنك جزء من الماء، جزء طبيعي وأصيل، فقد امتزج صوت نحيبك مع حيوات الغابة، أزيز النحل، صدى العصافير الآيبة وصرير الجداجد... ومن حيث تُباغتك الذاكرة بالصور والحنين، ينشأ لكَ الآن حلم قصير، ترى فيه أولادك كما تحب أن تراهم دائماً؛ يسوقون البقر ويزرعون الأرض، تبصرهم يعملون ويعرقون ويلوحون لكَ بفخر.. ربما يكون النوم تفسير آخر للموت، أرضُ أحلام تسكنها أرواح الراحلين، جنةُ ميعادهم.. ثم عندما يتحول حلمك إلى كابوس تتلاشى فيه أجساد الأحبة بالمدافع والقصف.. تستيقظُ مرعوباً لتجد نفسك أمام فرخ أبيض ضائع!

          الحياة طائر وِزّين، وأنت صيَّاده، وفرخ الإوز التائه يحفزك لأن تتعقبه، إنه لا يجيد الطيران لكنه يراوغ على الماء بسرعه، يفلت منك ويظهر بعيداً جداً وحذراً، لكنك يا "أبو سيل" صبورٌ ومثابرٌ، ومهما اختفى فإنك تقصُّ تموجه على الماء الساكن، تتبعه من الجهة التي لا يحمل فيها الريح ارتعاشك، تعوم وراءه وتغطس، رغم التعب والأسى، ورغم الألم الذي يتملكك... هكذا أنت على الدوام، عنيدٌ ولن تستسلم أمام فرخ، فقط ستدفع به من مسطح المياه المفتوح إلى المجرى الضيق والراكد، حيث لن يكون بإمكانه مناورتك، حيث ستباغته وتجهز عليه.

         لكن الفرخَ البرّي يسبح في كل مرة إلى الأمام، مُخاطراً داخل المجرى المتشابك من أشجار القرض الشوكية، وأنت من خلفه، تطارده بعناد الأولاد الذين فنوا في الحرب، بعناد الجنود الشجعان أمام قصف الأنتنوف.. من المؤكد بأن فرخ الوزين -في النهاية- سيخاف ويحاول الرجوع إلى البركة المفتوحة، حينها يجب أن تمسك به، أن تمسك بالحياة من أجنحتها، وتثبت لجميع الناس أنك لست شيخاً عجوزاً مقعداً، وأنه مازال يمكنك الذهاب إلى الحرب وحمل البندقية..

        الوِزّين طائرٌ قوي، حتى فروخه تملك من القوة ما يكفي لإسقاط الرجال أرضاً، لذلك كُن متنبهاً ويقظاً، ولا تسمح لنفسك بالهزيمة.. كان المجرى المتشابك يضيق جداً على الإوز، مما يجعله يشعر فعلاً بأنه مُقيد، وأن ليس أمامه سوى الرجوع إلى البركة المفتوحة، في هذه اللحظة تختفي أنت تحت الماء صانعاً فخاً مُحكماً، وعندما يحاول الفرخُ أن يتخطاك، مندفعاً بسرعته الرهيبة، مناوراً وطائشاً، تنقض عليه بيديكَ الخفيفتين.

         يحدث الأمر خلال ثوانٍ، معركةٌ من جانبٍ واحد، يداك تتشنجان قبل أن تمسكا بساقي الفرخ الوردية، وهو يجاهد كي يفرَّ ضارباً بأجنحته الصلبة سطح الماء، صائحاً بصوته الحاد الحزين.. إنه زلق ووزنه يتخطى عدة كيلوجرامات، ضد أنفاسك الخائرة وعضلات جسدك المتشنجة، يُصارعك، ضد كهولتك ووهنك، ضد المجرى الضيق وأشجار القرض الشوكية المتشابكة، ضد ذكريات الأبناء المتوفين في حرب الإبادة، ضد الموت.

       طوال حياتك يا "أبو سيل" لم تفشل في السيطرة على طائر أمسكته بكفيك، لكن هذا الفرخ السمين ظل يبطبط بأجنحته الصلبة فوق الماء بقوة وخوف، مثيراً للجلبة والانتباه، ناتفاً ريشه، محاولاً الهرب... فهل حاول أولادك أيضاً النجاة صوب الجبال أم كان موتهم لحظي، هل اختبأوا داخل الخنادق وظلّوا يبطبطون ويصيحون من هول النيران أم أن صيّادهم لم يكن عجوزاً مثلك؟!

         حينما انتبهت كان الوقت قد فات، وذلك لأن فحيحاً ما، من فوق الأشجار، بدا مُعجباً بفرخ البط، "أصلة" ضخمة بطول سبعة أمتار تراقبك من الأعلى ومتهيئة لأن تنقض.. ربما واتتك فكرة بأن الأفعى كانت مرابطة هنا منذ البدء، متتبعة إيَّاك بحرص شديد.. مستخدمة فرخ الوزين كطعم، لتدفعك للدخول بعيداً إلى المجاري الضيقة... لقد أصبحتَ محاصراً وتعباً، تحاول الهرب لكن بالكاد تعوم سنتمترات بجسمك المتحجر، إن الأفعى لا تريد فرخ البط، هذا واضح، الأفعى تريدك أنت!

     الصياد هو الطريدة، والآن حان دورك في الحياة لكي تكون طائراً عجوزاً بلا أجنحة.. ستسمع صوت الأصلة وهي تقفز داخل المجرى بوضوح، ستشعر باهتزاز حركتها المندفعة داخل الماء، سرعة هجومها نحوك، التفافها حول الجسد، وإطباقها المحكم.

       "أبو سَيّل" أنت تموت، تُعتصر بفعل القوة الهائلة للضغط، ربما تقاوم قليلاً وتصرخ وتضرب الماء، ربما تُقاتل وتحتمي بفروع الشجر، لكن كل ذلك بلا جدوى، ستسودُّ الدنيا رويداً رويداً من حولك، وسترى حلمك الأخير، الذي فيه الأولاد يُلَوِّحون.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الصف

عجز

حكاية الزول الذي صدمته سيارة جيب