عجز
![]() |
| إبراهيم جعفر مكرم |
تقول: (هذه الأمسية حلوة!) ثم تنظر إليّ بتبلدٍ، تتخلى عيناها عن الحذر، تبرق، تطلب رداً.
مباشرة أفتحُ فمي بمقدار نصف بوصة، أشرع في تحضير الكلمات المناسبة، أبحث في ركام العقل بين القواميس، أفكك وأركب، أبتزل، أنمق، بعيداً بعيداً.. لكني في الأخير لا أصل إلى إجابة، إنما إلى الخواء العريض الذي إن ما مر به هواء فسيصدر صفيراً بارداً بلا معاني.. أتنحنح حينها، أحرك لساني بسرعة، أبلل شفتيّ، أبصق، أين رحلت أيُّها الكلام اللعين؟! أنقب في الأشلاء الميتة من الذاكرة، من الحوارات المنسية المعادة، لكن مجدداً، اللا شيء يستوطنني. أصمت وأهز رأسي.
هي تمد يدها لتمسد جبينها، تفعل ذلك آلياً، وحينما أنظر إليها -بقلق حاد- تجفل، تسكن، وتغيب...
أغيب بدوري في منلوج داخلي، أتشعب في أزقة البلاهة؛ فما معنى أن يسألك أحدهم عن الأمسية الحلوة فتجيبه بهز رأسك. أرفض ذلك، فلابد من حضور رد محكي من الفم عبر الهواء إلى الأذن، مفهوم وواضح.. لكن، وفي كل مرة أحاول، تشرد مني الكلمات مخلّفة حرارة في الجوف، حرقة بائسة تحت ضغط الملح للحبال الصوتية.. وفي الأخير، لحظة أن تبتسم، أضطر لرج رأسي، أتخيلها تبكي، فتبكي..!
”هذه الأمسية حلوة“، قالت الجملة قبل وقت طويل، طويل بما يكفي ليعقب أحدهم، ليقاسمها الروعة، لكني الآن فقط أهتدي إلى الإجابة، أفرح، أودّ لو أن تعيد كلامها فأقول ”بوجودك“...
-هذه الأمسية حلوة ..
-بوجودك!
لكن ما إن أشرع في نطقها حتى يصبح الوقت غير مواتٍ، كأن بوجودك ماتت، كأنها انقرضت من المعاجم وحل محلها هز الرأس، يجري هذا تلقائياً، وبلا مبررات ...
-هذه الأمسية حلوة.
-هز الرأس.!

العجز ليس عن النطق؟ العجز ربما عن فعل الحب !
ردحذف