المشاركات

عرض الرسائل ذات التصنيف جوائز

صائدُ الوِزّين

صورة
إبراهيم جعفر مكرم      ”فائزة بجائزة تشجيعية من منتدى البوتقة“          أتتْ أخبارُ الحرب أخيراً يا "أبو سَيَّل"، حزينة وثقيلة على قلبِكَ، وبلا نهاية للتفاصيل، تسوقها إليكَ رائحة البارودِ وضجيج الأنتنوف ودوي المطر، والذكريات المُرّة للأولاد والأحفاد.. الموتُ بالطبع في كل بيتٍ، ونصيبكَ منه اليوم ثلاثة من خِيرة بطونك، لن تتمكن مجدداً من سماع قهقهاتهم وهم يسوقون المِرحَال... لا بأس إذن أيُّها العجوز صائدُ الوِزّين.. لا تبكِ أمام الحكّامات أو الرضع الجياع في معسكر النزوح، لا تبكِ أمام الله أو الشيطان أو المنظمات، ليس أمام أحد.. فقط دع عينيكَ الغائرتين تلمعان، دعهما تحلمان بمرجٍ كامل من الحصاد، على مدِّ شعاع الشمس، على مدِّ قطيع الأبقار القادمة من الجنوب، على مدِّ الصلوات والحِجبات المربوطة حول العضد، على مدِّ الرقص والنقارة.. وأصنع لنفسك سجناً فسيحاً من الذاكرة، يكفي لأن تُروّض فيه أمانيك الخجولة، ولا يكون أبداً سوى للأيام البيضاء، أيام صيد الوِزّين.      لطالما ظننتَ يا "أبو سيّل" أن الحياة بأكملها عبارة عن وِزّينة بريّة تعوم داخل خور ...

عبث

صورة
  فائزة بجائزة قصص على الهواء - إذاعة مونت كارلو/ مجلة العربي إبراهيم جعفر مكرم 1          إن أكثر شيءٍ يمكن أن يبدو غريباً، هو وجود ذبابة تحاول الخروج عبر نافذة زجاج مغلقة؛ ذلك العبث اللا نهائي للمحاولات الفاشلة، تفاني الهمة والإصرار.. ثم الاصطدام بحاجز شفاف غير مرئي والسقوط بخزي.  فدون أن تعي السبب تهوى الذبابة في كل مرة إلى أسفل، متأرجحة بأجنحتها، متألمة على الأرجح، وعاجزة تماماً.  إنها حقاً ترى ضوء الشمس وتشعر بلسعة حرارته لكنها لا تطوله، فقط تزنّ عندما يكون الوجع خفيفاً، تحلق مسرعة، تطير وتحلم وتأمل... وحينما تتعب، في النهاية، تطير بلا صوت، ترتطم بلا استسلام، وتموت.! 2       عندما حاول الكاتب الشاب المبتدئ أن ينشر أقصوصة الذبابة التي احتجزتها نافذة، قال له محرر الصحيفة إنها رائعة، الفكرة والأسلوب وما إلى ذلك، سننشرها لك في عددنا القادم، حسناً أو بعد القادم، أرسل لنا بيناتك الشخصية، أنت تعرف؛ الاسم والعنوان والبريد والهاتف، وصورة واضحة تكون فيها مبتسماً... سننشرها لك بالتأكيد، دام أنها قصة مناسبة ومهضومة ، ...، إنها فاتحة خير لت...

نافذة نصف مواربة

صورة
إبراهيم جعفر مُكرم  ”فائزة بالجائزة التشجيعية لمنتدى كليات الطب- ٢٠١٢“ 1 ”أواه كم أن هذا الليل فظيع وبائس.. لا منتهٍ ولا مبتدئ.. ولا مستقر على حال. أواه، من ظلمته العميقة، الآخذة من ضحالة الترع -جانبي النيل- قاعاً لها، والمكتسية من فزع الطين الميت، على الضفاف، إطاراً مغيت. أواه من الغلس الجاسم فوق أنفسي، الكاتم لصدري، والسارق من أعيني السكينة ليمنحني السهاد.. أواه، أوااه“.      ناح الجد ، في عتمة الليل.. مستأنساً بصوته الخافت المشابه لخطى الظلال بين مروج القمح، وبشوقه الدفاق، الفائق لفجعة الأرامل في صباحات الأعياد... ناح، وعلى طول الليل البهيم، مثبتاً بؤبؤي عينيه على زجاج النافذة، حيث كان لايزال هنالك بعض شتاء عالق يصدح كعزرائيل، وحيث النُجم الملألأة مد بصره، في صفيحة السماء، كأدمع النخل القديم..  ”..أوااه“        هامت بالجد الذكريات، كلها معا.. تقافزت على كاهله المريض بغيرما إشفاق، تكالبت كضباع الأسى تنهش ما بقى من البدن، تمزق له الأفئده، وتؤرق مهجع النسيان... ”رباه من شتاء ما عاد بذات صقيع الماضي، يغرز أنصال البرد في عروقي الدفيئة. رباه.. ...

أتْسِيدِي .. المَـوْتُ وُقـُوفاً

صورة
فائزة بجائزة الطيب صالح في القصة القصيرة إبراهيم جعفر مُكرم (፩)¹ القلوبُ الكبيرةُ:           لم تَكُ المسافةُ التي قطعتها "أتْسِيدِي" من مكانِ عملِها كخادمة منزلٍ ، إلى نهاية الشارعِ ، بالطويلة على الإطلاقِ ، لكنها ما إنْ انعطفتْ يساراً ، وسارتْ مِقدارَ خطوتين إضافيتين ، وتَنَهّدت بعضَ زفراتٍ بائساتٍ كماعزٍ يوشك على النفوقِ ، حتى انتبهت لحقيقة أنَّ التعبَ قد نال تماماً من حضرتِها.. وأنه فِعلاً ، بات من المُعْضِلِ على أي خادمة حبشية في سنِ الرابعة والعشرين ، وبكلِ هذا الغم على الكاهلِ ، مواصلة الضرب في الأرض.. فترنّحتْ في عينيها السماءُ والأشياءُ المحيطةُ ، وغابت من فورِها عن الوعي...!       في ذلك الصباح من شهر "طِرْ - يناير"²، حيث الشتاء مازال يُؤرِقُ ببرده سكينة العُشَّاق الحَيَارَى ، وحيث الشمس الناعسة بدت من غير دفءٍ أو شعاعٍ .. أقرب إلى لآلئِ العجائز ، وإلى الحد الذي جعل أخت "أتسيدي" الصُغرى عندما تملكتها نوبةَ سُّعَالِها الصباحي ، وهي تنظر صوب قرص الشمسِ المُعَلَّق ، تَذكُّرَ حكاوي الجدة القديمة ، فبصقتْ دماً أحمرَ وردي، وبكتْ أنيناً فاتراً ...

هي وهو

صورة
إبراهيم جعفر مُكرم (فائزة بجائزة مجلة العربي الكويتية وإذاعة مونتي كارلو)       كانا يجلسان كصديقين مقربين، أو كحبيبين منسيين، يده على يدها، قلبه يسبق قلبها، والأحلام تأتي وترحل... في الصباح يكونان سعيدين، يبتسمان ويضحكان؛ الابن الأول سيكون اسمه بدر، الابنة الأولى ستدعى قمر، والحياة مشاركة.. سيغسل هو الصحون وستعمل هي دواماً مسائياً. منتصف النهار يكون الجو صحواً، أو حاراً وصيفياً، يترافقان في المقاهي والكفتريات، يتسكعان في الطرقات والأزقة.. وعندما يستريحان، يجلس هو فيبكي أمامها، كل يوم يفعل ذلك، يبكي ويقول بأنه معدم ولا يستحقها... كل يوم تبكي وترد عليه بأنها موافقة: ماء وتمر وظل نيمة. أحياناً هي من تبكي وتقول بأنها فقيرة، أحياناً يصمتان ولا يتكلمان، لكن في النهاية تتبدد السحابة. يقول لها مشتاق، ترد عليه "عوير".         الليل بينهما دائم، يثرثران بالساعات على الهاتف، يحكي لها حدثاً مضحكاً، تقهقه وتقص عليه طرفة قديمة. يكلمها عن حياته، تروي له حياتها. الحياة بائسة ومعاً عزما على أن يزيلا عنها التعاسة. حين يتأخر الوقت ينام هو فجأة، ينام بلا مقدمات تاركاً إي...