الكلمة غير القابلة للنطق

إبراهيم جعفر مُكرم 


 [ﻟﻮ أن اﻻﺳﻢَ ‏ "ﻛﻤﺎ ﻳﺰﻋﻢُ اﻹﻏﺮﻳﻘﻲُ ﻓﻲ اﻟﻜﺮاﺗﻴﻠﻮ"

ﻋﺒﺎرةٌ ﻋﻦ ﻫﻴﻜﻞِ اﻟﺸﻲء،

إذن ﻟﻜﺎﻧﺖ الوردةُ ﻓﻲ اﻟﺤﺮوف اﻟﺘﻲ ﺗﺘﻬﺠﻰ ”اﻟﻮردة“،

و ﻟﺘﺪﻓﻖَ ﻛﻞُ اﻟﻨﻴﻞِ ﻓﻲ ﻛﻠﻤﺔِ ”اﻟﻨﻴﻞ]

  خورخي لويس بورخيس


_______

     منذ زمن بعيد، فكَّرَ بأن الكلمة التي يقولها تتحقق، لذلك تملَّكَه الفزع والخوف، وفضل أن يكون صامتاً... استغرب الناسُ الأمرَ في البداية؛ أن يضيعَ صوتُ أحدهم ويعجز عن التعبير، لكنهم مع مرور الوقت اعتادوا على سكونه الحجري وشروده الدائم، وحينما أخفقوا في مداواة خرسه ، نسوه تماماً كما ينسون الأشياء التي لا تصدر جلبة.

       هو أيضاً في النهاية ملَّ من كونه أبكماً محاصراً بلغة الإشارة، وأراد أن يجرب، أن يختبر الحدّة الحقيقية لنبرة الصوت، أن يسمع بوضوح كلامه ويراه، لمرة على الأقل.. فوقف عند مقدمة الشارع، ببساطة، منحنياً للأمام وماداً يديه كأنهما أجنحة نسر، ثم تحدث بأول شيء خطر في باله، قال بصوت مسموع: ”محيط!“ لكن ما تسرب من حنجرته لم يكن تدفقاً هوائياً للكلمة بقدر ما كان اندفاعاً مائياً من مفاصل الصوت، تشكلاً كاملاً للهدير والموج والعواصف التي تتكسر على الصخور، فاض الماء المالح اللانهائي وغمر الأرصفة والمنازل.. السفن الضخمة المحملة بالبضائع خرجت من طرف لسانه المتحرك، ومع الأبخرة المتصاعدة حلقت الطيور والنوارس فاختلط طنينها بهتاف الربان والقراصنة، ومن مكان ما بين الأضراس سبحت أسماك القرش رفقة الحيتان والدلافين والكائنات الغريبة الملونة، وفور أن غطى الطوفان الأرجاء حتى نمت شقائق النعمان والرخويات من الجوف الحلقي، تسلقت الطحالب وحدائق المرجان حول الينابيع الدافئة والمرتفعات البركانية... وبسبب انقباض الشفتين المرتجفتين نشأت حركة المد والجزر، فاحت رائحة الجو الرطبة الخانقة، وصاح الأطفال على الشواطئ فرحين وهم يبنون قلاع الرمل ويجمعون الأصداف...

      بيد أنه غرق في كل ذلك، جرّته الأعماق إلى ظلمتها الحالكة، هرب منه يقينه وسلامه الداخلي، وتولد لديه رعب مميت.. فصرخ دوامات مائية لولبية مضطربة، هاجت مشاعره بالتيارات المتقاطعة البهيمة، واحتاج لفعل معقد فقط كي يطمئن، قال بعد أن فكر بسرعة: ”ضوء“.. وكما لو أن الشمس كانت في جوفه منذ الأبد، أشرق فوه بنور ساطع، انبثق السنا لينير هجعة المحيط، وأرهق الضوء المبهر أجفان العيون المترقبة، كانت الأنوار تشع بمختلف الألوان والدرجات، كاشفة عن آلاف الأسرار؛ عرائس البحر تعوم حول أتلانطس، السفن الحربية الضائعة تقودها الأشباح، كنوز مخبأة تحت الجزر التي لم تؤهل بعد...

- قال مبتسماً: ”سحابة“، فتبخرت مباشرة مياه السطح وطارت به مع نسمة الريح، حملته إلى أعلى مايمكن لغيمة أن تبلغه، ومهتدية بالنجوم هاجرت به حول الكون... كان يحاول جاهداً أن لا يسقط من خيط الدخان الرفيع، مستنداً بصعوبة على الأبخرة المتكاثفة، منزلقاً عبر ممرات الهواء والضغط.. ومن ذاك العلو، نظر متحمساً للجموع الأفريقية وهم يقرعون الطبول، للمؤمنين المبتهلين بالدعاء والاستسقاء، وللأشجار الجافة العطشة وهي تهتز.. لكن حز في نفسه -حين بدأ الرعد المدوي يصخ الآذان- بكاء طفلة داخل كوخ أخافتها احتكاكات البرق المتقدة كتصدعات الزلازل، والمحرقة بصواعقها الأنحاء.. لكنه رآها مرة أخرى -البنت الصغيرة- تضحك وتلعب تحت رذاذ المطر حين جعل غيمته تذوب كقطعة ثلج.. هطل الغيث غزيراً، وهبط هو بعيداً في وسط معركة!

    هناك، كانت جثث الجنود ملقاة في كل مكان من حوله، بالمئات، تسيل منهم برك الدم الأحمر الغاني مُلطِخةً الضمير.. وبين كل صدى رصاصة وانفجار، تفوح أنّات الجرحى الهلعين المتمترسين داخل الخنادق، وتلتهب آهات الأرامل واليتامى والجراء.. كان الأهالي المُنكّل بهم -الفارين بلا صوب نحو معسكرات النزوح- يُدفنون أحياء.. والبنات العذراوات يُغتصبن بلا عطف وتُجزُّ أعناقهن كالأرانب. آلمه ذلك أشد ما إيلام، احتواه الغضب والأسى، اعتصرت دواخله الخيبة، وفكر في أن يقول كلمة ”موت“. لكن ما الجدوى -همس لنفسه- في أن يموت كل هاؤلاء.. هو يعلم أنها طبيعتنا الإنسانية؛ حب السلطة والسيادة، إن فنى جيش سيأتي آخر أكثر عطشاً، وإن مات قائد طائش فسيخلفه في حربه طيش عشرات القادة، قال بعد أن أعياه التدبر: "قائد"!

    وكما لو أن الأمر مُعدٌّ له مسبقاً، خرج "الاعتقاد" من فِيه وذاع، انبثق اليقين التام بوجود راعٍ وقادر، أكبر من حدود قدرتنا ، سلّموا له أنفسهم بإيمان، مخلصين الحب، و حفظوه في قلوبهم بحيث لا يمكن لأحد أن يقتل أحد، أو يخدع أحد...

   عندها هو أيضاً أحسّ بالعشق، تجاه امرأة، هكذا جرى الأمر.. خفق قلبه بالكلمة الوحيدة التي لا يمكن لها أن تُقال عبر الكلام، ولا لمضمونها أن يُسمع عبر الحديث.. وإنما من العين إلى القلب، ومن القلب إلى الروح.. تورّد خداه وانعقد اللسان وهو يحاول عبثاً أن يبثها لها، وحين فتح فمه في الأخير، بما يمكن أن نسميه مدلولها، وحرك الحروف، تفتحت لها "زهرة بنفسج".!

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الصف

عجز

حكاية الزول الذي صدمته سيارة جيب