الصف

إبراهيم جعفر مُكرم 


     نحن نعلم أنه مضى على انتظار أ. ج. م. في الصف ست ساعات، ونعلم أيضاً أنه كي يحصل على هذا الموقع المتقدم تطلب منه الأمر بذل جهد ضخم، فلقد استيقظ مبكراً قبل شروق الشمس، وركض مسرعاً ليحجز له مكاناً، ومن ثم تحمل بجلد حر الظهيرة الحارق. لذلك لم يكن له بأي وسيلة أن يتقهقر ويخلي مكانه.. تاركاً جل الأمر يضيع سدى.

    لكننا لا نعرف على وجه الدقة ماهية ذلك الصف أو إلى أين يؤدي، وبالكاد نجزم أن تاريخ الحقبة الزمانية الذي أجبر أ. ج. م. على ممارسة ذلك النشاط هو سنوات سقوط الدكتاتور. وبالتمحيص في طول الطابور البشري -الذي يبدو امتداده لا نهائياً- وجدنا أنه يمكن أن يكون صفاً لأي شيء؛ تجمهراً لأجل الرغيف أيام أزمة الخبز، ازدحاماً أمام كابينة صراف آلي، تكدساً من أجل الحصول على مشتقات البترول، أو حتى طابوراً لمعتقلين سياسيين.

     أخيراً تحرك الصف ببطء، وتحرك معه أ. ج. م. ، مدَّ قدميه المتيبستين، تمطى، ومضى إلى الأمام.. لكن تعابير التذمر على محيّاه جعلتنا ندرك أن الصف لم يتقدم منذ تشكله سوى بضع أمتار، ومن تكشيرة أنفه المشمئزة أدركنا نتانة عرق الأجساد التي تطبق عليه. ولتصل الصورة كاملة، فإن أ. ج. م. كان يقف تماماً بين رجلين ضخمي الجثة، يعتصرانه دون أن يستطيع جسمه النحيل المقاومة، وبطريقة ما، كان ذلك الالتصاق غير مريح نفسياً، ودارت في عقله أفكار سيئة زادت من توتره، فمع كل حركة يقوم بها كان يعتقد أنه يتم التحرش به من الخلف، وحين حاول أن يبدي امتعاضه ذاب صوته وسط الهرجلة والأحاديث الجانبية، وفي النهاية سلَّم بأنه لا يمكنه فعل شيء.

          مع مرور الوقت، زالت من الأجواء شحنة الكراهية والمنافسة، وجاء بعض الناس بوجبات منزلية واقتسموها بينهم، وحصل أ. ج. م. على عصيدة وشريحة بصل، وجاء آخرون يحملون بضاعة بائرة يبيعوها، وافترشت جنبات الصف بائعات الشاي مع أطفالهن الذين يوصلون طلبات القهوة إلى موقعك، وشيئاً فشيئاً امتلأ المكان بالضحك والنكات البذيئة، ودون أن يلاحظ أ. ج. م. اكتشف غياب الشمس وحلول الليل، وافترض مبتهجاً أن الناس ستنفض وسيتمكن من التموقع في مكان أفضل، لكنه تفاجأ بأن أحداً لم يغادر، بل على العكس كانوا متجهزين بوسادات ومفارش وأسرة، وغط بعضهم بالفعل في نوم عميق. 

        في الصباح لم يكن أ. ج. م. قد أغمض عينيه بعد، لكنه ظل متفائلاً بسبب تحرك الصف بسرعة، وخلال دقائق فقط قطع مسافة تفوق ضعف ما قطعه خلال الأمس. وتجاوز أيضاً هاجس التحرش الجنسي، حيث واتته فرصة كافية لأن يقف ويتحرك جانبياً كسرطان بحر، وابتدأ حديثاً تعارفياً مع جاريه في الصف، وبدوره بدا الرجلان الضخمان طيبين ومحترمين وقدما له سيجارة برنجي وشاركهما وجبة الإفطار. لكن الأمور ساءت مجدداً منتصف النهار حين تجمدت الحركة، وبفعل ارتفاع درجات الحرارة نشب شجار بين الرجلين الضخمين، حيث اعتقد أحدهما بأن الآخر داس على قدمه متعمداً.. ووسط الزعيق والسباب المتبادل تلقى أ. ج. م. -دون خيار منه- وابل من الضربات واللكم، لكنه نجح بعد جهد في إيصال صوته بضرورة ترجيح الحكمة والحيلولة من وقوع كارثة.. والأضرار التي طالته كانت فقط نزف أنفي وانتفاخ فوق حاجبيه.. في النهاية اعتذر الرجلان وطيبا خاطره، وأصرّا متأسفين على حمله فوق ظهريهما. وافق أ. ج. م. على مضض، ولأنه كان منهكاً ويحتاج إلى قيلولة نام من فوره. ولحظة استيقاظه انتابته سعادة عارمة لقطعه مسافة مقدرة دون أن يناله الرهق، فقام بتلفيق دور النائم لبعض ساعات أخرى، وظل مستلقياً حتى انتهاء اليوم.

        في الليل تناول أ. ج. م. نصف قنينة عرقي محلي الصنع، وتسامر مع الرجل الضخم الذي حمله على ظهره، وأفصح له الأخير عن عشقه لفتاة يجهل كيف يطولها، فنصحه أ. ج. م. على خطبتها هنا والآن -فكل شيء يمكن أن يؤجل عدا الحب. وبصلاته التي كونها داخل الصف عثر له على والدها في موقع متأخر وطلب يدها، وبمشاورات محدودة، وبضغط من الطابور البشري المتلهف إلى فرحة تنسيه الهم، وافق الأب، وجاءت البنت تتمايل خجلاً ووقفت بجانب خطيبها، فأمسك كل منهما يد الآخر وتحركا في الصف.

         نحن لا نعرف إن ما كان طول مدة الانتظار هو السبب أم شدة المحنة، عندما تحول الأمر إلى تضامن مشترك، يسعى فيه الكل لدعم الكل للوصول إلى النهاية. لقد أهدى أ. ج. م. صديقه الضخم وزوجته قلادة من الصدف البحري، ووفر لهما جاهداً خصوصية في كل مرة أرادا لحظة حميمية، وعندما حبلت المرأة تعهدا لـ أ. ج. م. كرد جميل أن يطلقا اسمه على المولود صبيا كان أو فتاة.

        بالطبع، على طول الصف، كانت المحادثات والاسئلة تتداول بين الأهالي والمعارف، مبتكرين طرقاً فريدة لها، مستشفين ربما من الرسائل التلغرافية العسكرية، حيث يعطي الرجل تعليماته التي يريد إيصالها إلى جاره:

 (أخبر: أن الواقف موقع "س.س" - إلى الواقف موقع "ص.ص" - كيف حالك؟)

     فتطير الرسائل ذهاباً وعودة، حاملة لأخبار وتطمينات، وأيضاً فضائح واشاعات شائنة، تمر عادة بـ أ. ج. م. ليسلمها كما هي، همساً في آذان الآخرين. وعندما لم يكن لـ أ. ج. م. أحداً يراسله، فكر في أنه من الممكن أن يرسل رسالته الخاصة كنوع من التسلية، فهمس في أذن الرجل الضخم أمامه:

(أخبر الذي أمامك، أن يخبر الذي في المقدمة، أن عيون الحمائم الزرقاء لم تعد تنعكس على مرايا الزمن إنما على روح الشباب المعذب).

        مضى الوقت كعادته، كما لم يكن أحد ليصدق، جاء الخريف والشتاء والربيع، وحل الصيف مجدداً، وولدت زوجة الرجل الضخم توأماً تم تعميدهما بألف جيم ميم وألف جيم ميومة. ومن رتابة الوقوف وكآبته هجر بعض الناس الصف ليأتي بدلهم أناس آخرون، ومات عجزة وهم منتصبين في مكانهم لكن أحداً لم يملك القسوة الكافية ليزحزحهم ويواريهم.. فكيف لمن قضى نحبه في الصف أن يتخلى عن دوره. لقد نسى بعض الواقفين لماذا هم في الطابور من الأساس، وبعضهم بات لا يملك ذكرى لأي شيء عدا الزحف المتلكئ والمستمر، فتكيفوا عليه وما عاد يمكنهن العيش بدونه. حتى أ. ج. م. نفسه وجدنا أنه كاد أن ينهار، فالسنوات التي قضاها هنا كان يمكن لها أن تكون أفضل في مكان آخر، لقد فكر في القسوة المستفزة لهذا العالم وعدم جدواه، ورأى أن يشنق نفسه ويرتاح.. لكنه تمسك بمسحة صوفية، وأخذ الأمر على أنه تدريب للمشي في السراط. وبإيمانه ذاك واصل التقدم دون تراخي، خطوة خطوة، ودائماً إلى الأمام.

        بيد أن رسالة واحدة هزت أ. ج. م. وجعلته يضحك بهستيريا، وانكشفت له الحقيقة التي كنا نجهلها، ذلك حين أخبره الرجل الواقف خلفه:

(أخبر الذي أمامك، أن يخبر الذي في المقدمة، أن عيون الحمائم الزرقاء لم تعد تنعكس على مرايا الزمن إنما على روح الشباب المعذب).!

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

عجز

حكاية الزول الذي صدمته سيارة جيب