الندوة
![]() |
| إبراهيم جعفر مكرم |
1
مع أولِ بوادر المساء، حيث بدا الجو صحواً ومناسباً، سارَ الكاتبُ المرموق، صاحب التجربة الثرة والنتاج المبدع، نحو ندوة ثقافية تقام احتفاءً به، تخليداً لكونه أصبح قامة. سار نشيطاً على طول الرصيف، عَبَرَ عدة طرق فرعية، ثم لأن الوقت ما زال مبكراً على الأمسية عرج هنا وهناك تمضية للزمن. لكنه مع ذلك وصل للمركز الثقافي مبكراً، مبكراً جداً، فاضطر لأن يجلس في الحديقة الخارجية، على النجيل، بسيطاً ومتسالماً وبتواضع سخي.
لم يكن الكاتب القامة في صراع كِبر مع ذاته، وإنما يحمل في دواخله على الدوام صورة متناغمة عنه، فهو أبداً لا يرى نفسه أديباً عظيماً كما يشاع، بقدر ما أنه رجل عادي وهش، وأنه على الرغم من سنواته السبعين، التي قضاها كلها في الأدب والكتابة، فإنه ما يزال في بديات بدياته، يتلمّس النور.
إنها أول ندوة عنه يشارك فيها بصفته متكلماً، لقد ضغط عليه رفقاءه وتلاميذه وأجبروه لأن يوافق، واحترموا شروطه بأنها ستكون ندوة بسيطة وحميمية، دون أي بهرجة أو غلو. لقد حضر الكاتب القامة آلاف الندوات الأدبية منذ أن كان يافعاً، ومنذ أول ندوة شاهدها حلم بأن لابد ويأتي يوم وتتاح له فرصة مخاطبة الناس، وكل تلك العيون منصبة عليه.. إنها أمنيته الصغيرة التي حاول أن يداريها لعشرات الأعوام. وها هو الآن يحس بانتشاء غير مبرر يطفو على السطح. ليس إعجاباً، وإنما رضا. كان هنالك شاب وشابة على أرض الحديقة بجواره، أشارا إليه وابتسما فرحين، فرد لهما الابتسامة بطأطأة رأس وتكشيرة ترحيب. وجرت مباشرة في ذهنه صورة نوستالجية لكل تلك السنوات التي قضاها يعمل ويشتغل في الأدب، لقد كان ذات يوم شاباً متحمساً أيضاً، تماماً كهاذين الحبيبين، يبتسم للأدباء العظماء، فقط العظماء المتواضعين، الذين يجلسون الأرض ويردون عليه كما فعل هو الآن. لم يكن تفكير الكاتب قد زاغ بأنه عظيمٌ، بل تعمق في فكرة أن الزمان يعيد تكرار نفسه بطريقة قسرية، وأن هذا الفتى وهذه الفتاة، سيأتي دورهما يوماً ليكونا محله.
ثم هبَّ الكاتب ناهضاً بروح الشباب التي ارتدته، وتوجّه في ميعاده إلى القاعة التي ستقام فيها الأمسية. كانت قاعة متوسطة، رصت مقاعدها على شكل أقواس نصف دائرية، مركزها هو الكرسي الذي سيجلس عليه، وفي الخلف عُلقت صورة مكبرة له -يبدو فيها مستغرقاً- ذُيِّلت ببيت شعر امتداحي، وبجوارها على البورد كتب بالخط الكوفي، عرفاناً للإنسان.
للحق، سُرَّ الكاتب القامة بذلك، مجهود غير متكلف ورائع؛ حينما يحبك الناس. ومضى متحركاً وسط حرارة الحفاوة التي قوبل بها من المنظّمين للندوة والحضور البسيط. ولأن عدد الحضور كان قليلاً جداً، اعتذروا له بأنه جاء في وقته، في حين حدث خطأ غير مقصود في إعلان ساعة توقيت البدء بالنسبة للآخرين، وسألوه إن لم تكن لديه مشكلة في التأجيل لساعة أخرى. تقبل ذلك برحابة صدر، وارتاح من رهبة أن يجد القاعة مُزدحمة. كان الكاتب القامة يظن أن جمهور المبدع الحقيقي، الأديب المقتدر، لا يتجاوز الصفوة المتملكة لأدوات الفهم. لذلك انتشى حين رأى عدد الحضور ضعيفاً. هو يعلم بذكاء بأنه ما من خطأ قد وقع في التنسيق، لذلك لم يبدِ أي انفعالات عدائية، وانصاع طيّعاً حين أخذوه لغرفة داخلية لينتظر، وقدموا له القهوة والشاي، مانحينه وقتاً إضافياً للتركيز.
بعد انقضاء الساعة، نادوه بتجليل ليدخل مرة أخرى إلى القاعة، وهذه المرة قوبل بالتصفيق. كان العدد قد زاد، قليلاً فقط، صفوة الصفوة، حيَّاهم ثم جلس على الكرسي المعد له خصيصاً في مركز الضوء والبصر، واستمع لكلمة تقديم ارتجلها صديق قديم، أول كلمة تقديم عنه يسمعها في حياته، تكيل له الثناء وتعدد المناقب. ثم سلموه الميكرفون ليتحدث.
في البدء ارتجفت يد الكاتب القامة بشدة وتوتر. لكن لم يبدُ أن أحداً قد لاحظ تلك القشعريرة، أو أنهم تجاهلوها وعزوها للسن. وحين أخرج الكاتب متلعثماً ورقة مُعدّة من جيب قميصه، أدرك بأنه خائف، وبأن صوته ربما يخذله. لكنه في النهاية شجع نفسه وتكلم، فخرج صوته دفقاً متزناً. كان يتحدث بتلقائية، من النقاط الأولى التي عنونها على الورقة، تحدث عن نفسه ونشأته وتأثره. وتكلم بإسهاب في أجزاء رأى أنها مهمة من الذاكرة، عن التجربة ككل وليس عنه كفرد، وتفاجأ بأن الأمر سهل، لذيذ ومخدر، وحين وصل عند نقطة تستلزم الاستراحة لأخذ غفوة لأنفاسه العجوز، رفع رأسه ووضع عينيه على الحضور، بتركيز ليتفحص ردات الفعل، اندهاشهم وانشداههم، وهالة أنه لم يلحظ بأن العدد قد تضاعف، وأن القاعة باتت فجأة شبه ملأى وفي زحام، وأن هنالك بعض الناس الذين لم يجدوا لهم مكاناً فتشاركوا المقاعد أو وقفوا على رؤوس أرجلهم ليتابعوه كلمة بكلمة.
سعل الكاتب القامة، ثم سعل مرة أخرى، ومرة أخرى، وحاول تهدئة القشعريرة التي سرت في بدنه. فناولوه شربة ماء لتهدأ الحشرجة، ثم أخذ نفساً عميقاً ومازح القاعة بأنه بات عجوزاً، وأطلق نكتة قديمة، فضحكت القاعة لنكتته كأنها تسمعها أول مرة. ورُجّت جنباتها كرد فعل مزايد، وتردد صداهم للحظات طويلة حتى بعد سكوتهم. وحين هدأت القاعة من الضحك المتواصل، للإنصات، اُضطرّ لأن يواصل حديثه، تأنى ببطء على الطريق الذي وضعه منذ البداية، في الإطار الضيق للأنا، الحاد للكلمات ودلالاتها، للحروف، نطقاً بنطق كأنه يقطعها بسكين.
هل كان يكتب أم يروي، لا فرق. هو الآن سعيد لروح الاصغاء التي في الفضاء، للجو المنعش والمدقدق للبوح، وتطرق مباشرة لأمور أوسع لم تكن في ورقته، عن إلهامات واتته كقصيدة فلفظها، وعن ذكريات منسية ظهرت فجأة لتشكل وجدانه الآني.
فكر الكاتب تفكيراً عقلانياً، ليس من أعماقه، ومستحقاً بلا شك، في أحقيته وأهميته ككاتب، وسط الحشد الصفوة، عُلّية العلية، مع الآخرين الذين جاؤوا أيضاً لمساندته ودعمه، للجو الحلو المجتمعي الدافئ، فأفلتت منه ابتسامه، لم يكبتها بل تركها تشع وسط تجاعيد السن، وحين صفق الناس على كلامه السحري، تجربته الذاتية، رجع بحيادية للطريق المرسوم على الورقة، حكيماً، كربان أبدي.
أثناء إلقاء كلامه، وقعت عيناه صدفة على الفتى الشاب وعلى رفيقته الشابة، وأحس بأنه يعرفهما منذ زمن وليس فقط قبيل ساعات، وراح في خطابه كأنه يخاطبهما هما بالذات، بتواطؤ ظاهر، تجلى في العمق البعيد الذي انحنى إليه كلامه، في الفنتازيا الكورتاثارية لتنقلات الأزمنة، فانفعل محركاً يديه، ببراعة واتقان، بلغة عيون وجسد.
بادله الشاب بالتركيز، بالتحديق المطول، كأنه يفهم ويحسن الانصات للدفء المخصوص ويتعقب براعة ربانه العبقري. ومرة أخرى، تذكر الكاتب القامة إبان شبابه، وود لو أن ينهض من كرسيه ليعانقه ويبكي معه، وهمَّ لأن يفعل لو لا أن الشاب أخرج كاميرا والتقط أكثر الصور شاعرية، مضيئاً بفلاشة الكاميرا وجه العجوز المكسو بظلال الزمن.
تساءل الكاتب سراً وهو يلفظ الزمن بين الكلمات، عن الكيفية التي يكرر ويعيد بها حيواتنا، فحينما كان بعمر الشاب كان هو أيضاً مراسلاً لإحدى الصحف المحلية، وكان فرحاً بتكلفته لنقل الندوات المسائية وتغطية الأخبار. وأحس بالفخر تجاه نفسه، الفخر البريء والميمون. وندّت عنه تنهيدة طاردها بتكشيره لأنفه وشفتيه. مغمضاً عينيه المجعدتين، وحينما رجع للقاعة التي ضجت أكثر بالناس وبالحوارات الجانبية، وجد أن الشاب التقط له صورة ثانية في هيأته الميتة المزرية تلك، ثم صورة ثالثة في استفهامه، ثم رابعة وخامسة وعاشرة.
صمت الكاتب مذعوراً، فصمتت القاعة التي امتلأت عن آخرها ظناً منها أن الكاتب القامة يودُّ أن يضبطها، وفي فترة الصمت الخانقة أكتشف العجوز عيباً، أن الشاب يتثاءب بلا مبالاة، وحينما دقق فيه أكثر وجد أنه مضحك وتافه، فاحتقره على الفور، مدركاً بقريحته أنه لا يصلح حتى لأن يكون صحفياً أو كاتباً. لقد كان الشاب طوال الوقت مهتماً بحبيبته أكثر من أي شيء، والآن، وسط هذا الصمت الاحترامي، قبلها أمام نظراته ببرود. وغفى ببساطة.
”كيف يمكن ذلك، لا.. لا يمكن أن أحتقر الناس، إن الذوات هي في الأصل ذوات، مهما كنا ومهما كانوا“، وطرد أفكاره الخبيثة محاولاً الهرب من شبح وجه الشاب الغافي على المقعد، تكلم بتشتت وبلا مقومات، بترهل وفزع، وحين يئس حول وجهه عن الشاب إلى حبيبته، فتورط أكثر؛ فالبنت بدت له جامدة وبلا مشاعر، ولديها شامه تذكره باللطخات القاتلة للحقيقة، وبصعوبة قاد حواراً من أبيات يحفظها، لينفد من ما علق فيه، مقلباً وجهه بين الحضور رجالاً ونساء: ”أي بلاهة هذه“.
وحين فشل أنهى حديثه.
2
كان الجو قد أصبح مملاً وكارثياً، بحوارات ثانوية وهمج، وارتفعت حرارة المساء داخل القاعة، وأزّت المراوح السيئة معيقة وصول الصوت، فنهض المنسق المسؤول ليدير الجلسة، وضع كرسيه بالقرب من الكاتب وأدلى تعليقاً مقتضباً ليعيد الروح للمكان، ثم فتح الباب للأسئلة، فانهالت عشرات الأسئلة العادية القبرية الجنائزية دفعة واحدة، مررها المنسق إليه بسرعة، كأنه يقول: هاك، اهلك!
لكن كاتباً بذاك العمر وتلك الخبرة لن يسقط في الفخ، وبدأ يستخلص الجوهر من السؤال معيداً صياغته كما يجب أن يكون، مجيباً عليه كما يجب أن يفعل، متشبثاً بهيبته أمام ذاته، متسلقاً للروعة اللفظية للمصطلحات الفضفاضة، ليرتقي بالحضور في الدهشة التي لطالما ابتدعها في كتاباته الخالدة، السحر.
بدأت القاعة مجدداً تصفق وتعجب به وتُبقيّه، وبدأ الشاب الذي غفا وصحا، يردد مع الكاتب آخر الجمل من الخطاب كأنه يحفظها، وحبيبته تبتسم فتحلو خالتها اللطخة. لقد عبر الربان الكابتن البحر مجدداً، المضيق الأكثر وعورة، وطفا بمركبه فوق مشاعرهم جميعاً، سامقاً بلا شك، بعيداً بعيداً.
ثم أتى سؤال واحد، سؤال من سيدة حضرت متأخرة، سؤال نقدي عن الشخص وليس كتاباته، مُعرية للفضائح، قالت له أنت جبان، وحاولت تبرير ذلك باستدلالات لا معنى لها، قاطعها المنسق على الفور للاستهجان المتحامل، لكنها واصلت اللسع المتطرف اللهجة، المنطلق من عقدها النفسية البحتة، الجارح والحقيقي، للجوانب التي يحاول كل واحد منا أن يدسها. قالت له عن ذعره، عن زيفه الرمادي، وبكت بحرارة صادقة لا يمكن لأحد أن يُكذّبها، فاكتفى الكاتب بهز رأسه.
من أين تأتي الأسئلة التي لا إجابة لها، حاول الكاتب أن يتعرف على المرأة إن كانت تعرفه لتنعته بكل تلك النعوت، لكنها قالت بأنها قرأت له فقط المجلد السادس من الفصل قبل الأخير. ضحك الجمهور، كأنهم في مسرحية هزلية، وانطلقت التعليقات الساخرة والصفير، وصفق البعض بتشجيع لذكاء الكاتب الذي لم يرد، وإنما استفسر بحقه المشروع، قامتهم الذكية التي لن تتهادى. لكن الكاتب أحس بالعار، فمن ضمن الخمسة وأربعين مجلداً التي انتجها، الأربعمائة وتسعين فصلاً التي كتبها، كان ذلك الفصل يمسه!
أراد المنسق المُطلّع على التجربة الإبداعية أن يعقب، وتأمل المجلد السادس في ذاكرته فوجد أنه يحوي رواية اللغط، لقد كانت عن المحاولة الجنسية الأولى لرجل سبعيني، وكان الفصل قبل الأخير هو فشله التام فيها، والأخير هو انتحاره بسبب العجز. فسكت وعاود السماح بالأسئلة.
مجدداً انهالت الأسئلة بحذر، لكن الأكثر جنائزية حلَّت مع الوقت ، الميتة حتى قبل أن يُجاب عليها، أسئلة بلا هدف وغير لائقة، أسئلة طويلة يصعب تتبعها، تنسى مباشرة بعد عرضها، أسئلة معادية، مثبطة، مغالية، عدائية، شخصية ورعناء.
ذهب صفاء الكاتب إلى الأبد، الذي ما زال ذهنه عالقاً في شرك الفصل قبل الأخير من اللغط، واعترته اللاطمأنينة. لكنه في النهاية جاوب، كيفما اتفق، وتقوقع إلى حدود ذاته القصوى.
تسرب الملل، وعثر الكاتب على خجله في حملقات الناس والكاميرات، في التحديق الأبله للاهتمام. كان الشاب قد عاود تصوير البورتيهات للأوجه، وكانت الإضاءة الساطعة قد أرهقت عينيه الدقيقتين. ومن مكان ما في قلبه تولد التنافر الذي لا يمكن ضبطه، معادياً للجموع، فهطلت الكلمات التي لا معنى لها، ونوقشت جوانب اللغة للكاتب وهويته البنيوية، الأيدولوجيا، الدين والببليوجرافيا، ومن زاوية معتمة نهضت السياسة كشبح طيفي، بين آراء الحرب والسلم والمعارك. ووسط كل ذلك العبث رن هاتف نقال بنغمة النمر الوردي أثارت الحفيظة. ثم انفجرت طفلة رضيعة بالبكاء، رافعة من درجة التوتر إلى مداها. تكهرب الجو وشحن بشحنه سلبية، غادر كذا شخص القاعة قبل انتهاء التكريم بلا استئذان، تاركين الباب يصر ورائهم بإزعاج. وكان كل الناس ينظرون بين الفينة والفينة إلى ساعاتهم وهواتفهم النقالة، فاضطر الكاتب أن ينظر هو أيضاً بجفاء إلى معصمه عدة مرات، من قبل العادة والقلق، حيث لم تكن ساعته تعمل.
كان هنالك أكثر من ورقة لحصر الحضور بدأت تتبادل في القاعة، دون أن يوقع عليها الأغلبية. وكانوا عندما يمنحونه الفرصة للإجابة أو التعقيب يقاطعونه بنهم. عندها وجد الكاتب أنه تحول إلى خطيب آلي سياسي، يخطب في جموع جماهيره التي جمعت بلا إرادة، في النضال الملفق، نضاله الذاتي، الزائف والزائل. فشعر بالخزي لأنه يتكلم عن أشيائه الشخصية ومبرراته أمام العامة. مضطراً أن يدافع عن مثاليته، كأنه متهم في محاكمة، يدلي بأقواله أمام لجنه محلفين، متوسلاً إليهم أن يوقعوا عليه أخف العقوبات، لكنهم لا يبالون، ينظرون إليه كأنهم ينظرون إلى مجرم قاتل.
ثم ترافع عنه رجل لا يعرفه، بدا وكأنه محاميه الخاص بصوته الجهور، شرع في الحديث عنه بثبات، لكنه بعد ذلك نطق عن أشياء ليست لها علاقة بالكاتب، في شائعات قديمة وساذجة، قصص مقبورة، تكلم بغباء ودون دراية كافية.. فأصاب ذلك الكاتبَ القامة بالفزع، بأنه ما إن يموت -وسنواته باتت معدودة- سيغدو الأمر أسوأ، سيظهر له أصدقاء لم يرهم أبداً، ستقص مواقف لم تحدث معه على أرض الواقع، أقوال لم يقلها ومواضيع لم يثرها. فاستسلم بإذعان لكلام الرجل دون أن يفنده، مبتسماً كأنه ميت.
إنه فخ بكل تأكيد، كان عليه أن لا يوافق على إقامة الندوة منذ البداية، لأنه لا يوجد أحد يهتم بالحياة الشخصية للغير سوى لإثراء الفضول. لكن الآن عليه هو أن يستمع إلى مداخلة أناس بعينهم يتكررون على الميكرفون، يطرحون ذات الأسئلة ويجيبون هم أنفسهم عليها، ثم يعيدون طرحها مرة أخرى. يجادلونه بحقد داخلي لا واعي، مقصينه عن المكان.
أحس الكاتب القامة بنفسه منفياً، ميتاً تحت أزيز المراوح اللاهبة، كان قد تخلى تماماً عن كل شيء، وكان يتأمل جمال اللوحات السريالية على الجدران، ولو أنه وجّه حديثه تجاهها لكان أفضل، لأنها بالتأكيد لن ترد. ثم زفر نفساً ضجِراً من أعماقه مستعيداً توازنه، وأزال الكدر الضبابي، وعلق بأنه يود ختم الندوة بقصيدة يحفظها لفيرناندو بيسوا، وعندما فرغ منها صفق له الجمهور الاحتوائي، وشرعوا في سلامات حارة معه بحميمية، الشاب والفتاه والمتملقين أخذوا معه صوراً للذكرى، حاوروه وشكروه وأغدقوا المدح. كل شيء انتهى أخيراً، مرّ بسلام، إلى أن جاءت السيدة التي أكالت له سابقاً العار، واكتشف بأنه يعرفها من سنوات ساقطة، أحس فعلاً بالغثيان، أراد أن يهرب لكنه علق تحت ثقل ذاته المسالمة... شيء ما فيه اليوم تحطم، شيء ما جلب له هذا الشك، هذا الارتياب.!

تعليقات
إرسال تعليق