البِنْتُ الوَرْدَة و فَتَى المِيْزان
![]() |
| إبراهيم جعفر مكرم |
كُلَّ يوم، مُبكّرة جداً أو مُتأخرة، تقف البنت الوردة أمام فتى الميزان، ذاك الذي يكسب رزقه من قياس أوزان السَّابِلة. تعطيه جنيهاً أو جنيهين، ثم تصعد على المَنَصَّة، مُنتصبةً ويديها حرتين، ثم عندما يسجل الميزان وزنها، تكتبه داخل مفكرة وتمضي..
البنت الوردة نحيلة، تمرُّ من بين قلوب الرجال دون أن تعلق، خفيفة، تداعبها ريح المشاعر فلا تحطّ.. عيناها غائرتان، بُنيّان.. وخدّاها محفوران منسيان، يُظهران بوضوح عظمتي الوجنتين والشدقين... هي عادة ما ترتدي بلوزة فضفاضة وبنطال، على شعرها الأسود تضع خماراً ينسدل فوق كتفها، حقيبتها رمادية بذات لون حذاء الصندل، وعطرها باهت لا يمكن تذكره إلا في غيابها.. حينما تتكلم تصبح تلقائية، حرّة ومندفعة، وحينما تصمت تكثر من الإصغاء وهزّ الرأس... صوتها ربما يكون صوت طفل، لكن ضحكتها ونحيبها يشبهان الليل.. هي جميلة، ولها حبيب منفتح على العالم، وخطيبين سابقين، وأصدقاء وزملاء.. لها شامة فوق حاجبها الأيسر، تدسها بالمكياج، ولها مفاهيم معقدة في ما يتعلق بالدين والرب والمجتمع..
فتى الميزان -الذي يقيس أوزان السابلة- يعيل أسرة ممتدة، جدة مريضة، وأباً في السجن.. ولا يكسب شيئاً من عمله سوى مطاردات رجال البلدية. هو معاق، لا يصلح لأن يكون حمَّالاً أو كمسنجي، لم يتلقَ تعليماً ابتدائياً بسبب الحرب، ولم يأكل يوماً أكثر من وجبة واحدة.. لكنه طيب ويملك قلباً كبيراً، ويخفق مرتعشاً عندما تقف أمامه البنت الوردة.
البنت الوردة متحمسة وإيجابية، لذلك فهي منتظمة في صالة رياضية لتحسين بنيتها الجسدية، أيضاً مشتركة في نادٍ لتنمية قدرات الذات... الأصدقاء يعرفونها بلقب الوردة، ربما لأنها كلما صافحت أحداً جعلته يحس بأنه يصافح رِقة وردة، لكن كان يمكن أن تكون البنت القمر أو البنت الشفق..
البنت الوردة، القمر، أو الشفق، بنت شاحبة وهزيلة، مصابة دائماً بفقر الدم.. تمرض بالزكام كل أسبوعين لضعف المناعة، وفي حقيبتها تضع -بين المرآه ومساحيق الوجه- عدة أقراص ووصفات طبية ومسكنات، ودائماً رواية لأحلام أو كويلهو. هي شاعرة وحساسة، تكتب الشعر السريالي، وأحياناً نادرة تكتب القصة الخاطرة، وترى أنها في المستقبل القريب ستكتب فلسفة الأفكار.. هي لا ترى عيباً في أن تضع المرأة صورتها على فيسبوك دون حجاب، دام أنه على فيسبوك، لكنها لم ترفع صورها الشخصية بعد، وربما تفعل عندما يصبح وزنها مثالياً.
فتى الميزان لم يفهم مطلقاً المعنى من أن يقيس أحدهم وزنه كل يوم، صباح ومساء.. في البداية ظن أن الأمر مجرد هوس، مرض يتعلق بالنساء (المُنطلِقات) اللائي يحتجن إلى تأديب، لذلك احتقرها بشدة، مكوناً ضدها فكرة شائنة.. لكن مع الزمن أدرك أن ما تقوم به لا يتعدى كونه تقديم عون؛ فهي أيضاً تشتري دون حوجة من بائع (الهكش) و (التسالي)، تتبرع للسيدتين الشحاذتين آخر الشارع، تقدم سندوتشاً لطفل (الأورنيش) اليتيم، وتساند كل من يحتاج مساندة.. لذلك بدأ الفتى يحبها -أن يحب فتى ميزانٍ بنتاً وردة أمرٌ يصعب شرحه- وبات ينتظرها مبكراً جداً أو متأخراً، كي يقيس لها وزنها الضئيل... صار من أجلها يعشق مهنته التي لا تسد الرمق.. مؤجلاً فكرة تحوله لبائع رصيد ثم لسمسار ومالك دكان.
البنت الوردة فتاة عادية، سُرق هاتفها النقال بواسطة لصوص الحقائب، بكت كثيراً وحزن قلبها، لكنها في النهاية فتاة عادية، اشترت هاتفاً آخراً ومضت في حياتها. هي طويلة، تحب سماع الأغاني الأجنبية، وتتلقى من آن لآخر دروساً في الرقص.. ومع أنها لم تشهد يوماً اندلاع معركة، إلا أنها تتعاطف مع قضايا الحرب والنزوح. هي متصالحة جداً مع الذات، ترى أن الإنسان هو الإنسان، لكن إن كان لها أمنية خفيّة تود تحقيقها فهي وزنها الذي لا يتجاوز الأربعين كيلوجرام.
البنت الوردة تسجل وزنها داخل مفكرة ملوّنة، وتفعل ذلك لا لشيء سوى العادة. هي لم تهتم مطلقاً للولد المعاق خلف الميزان، ولا لتعابير وجهه المتلهفة، أو الأسى الكبير الذي يجره وراءه، أحياناً كان يجرّ دموعاً وبكاء... لكنها فقط تعطيه جنيهاً أو جنيهين وتمضي سعيدة لأنها قدمت معروفاً.. وفوق ذلك زاد وزنها كيلوجراماً كاملاً، أو اثنين.
أولاً لم تشك البنت الوردة في أن وزنها قد زاد، فهي فعلاً تحس بأن كتلتها أضحت أثقل، حتى أمام المرآة وفي أعين الناس وفي همس حبيبها.. لم تعد تمرض كثيراً أو تشعر بالخجل من عيون الأطفال المتكشفة، انفتحت شهيتها وصارت تلبس الفساتين الزاهية، حمّلت صورتها على فيسبوك، وقبلت واثقة الدعوات المسائية للرقص... لكن بعد بلوغ وزنها رقماً يصعب تسجيله على المفكرة بدأ الشك يساورها.. كان لابد لها أن تسأل الفتى خلف الميزان، عن إن كان هنالك أي عطب، لكنها لم تجد منه سوى ابتسامة، ويداً تود أن تصافح.!
.png)
تعليقات
إرسال تعليق