عالم الألوان
![]() |
| إبراهيم جعفر مُكرم |
تم منع ”كلرليس“ بواسطة سلطات ضبط تنسيق الألوان من أن يلقي كلمته الخطابية في يوم التباين العالمي؛ بحجة أنه لا يملك بطاقة هوية، وذلك على الرغم من الدعوة الرسمية التي تلقاها من قبل المنظمين لحضور الاحتفال... لقد تمت معاملة كلرليس بقسوة مفرطة وضربه بالهاراوات والعصي، وتم اعتقاله لعدة ساعات بذريعة إزعاج التمازج والانسجام.
لم يفعل كلرليس تجاه ذلك شيئاً، وحتى عندما جاء منظمو المهرجان مطأطئي الرؤوس ليطلقوا صراحه بكفالة لم يعرهم بالاً، إنما غادر الزنزانة بهدوء رجل يغادر منزله، غطى وجهه بخرقة قماش وانطلق في الطرقات بلا هدى، وخلال دقائق فقط اختفى أثره.
لكن الصبية ”ڤيولت“ انطلقت وراءه، ربما دفعها الشعور بالذنب؛ فهي من أقحمته للمشاركة في يوم التباين العالمي على أي حال، وحاربت من أجل أن تمنحه مجالاً ولو ضئيلاً ليتكلم، واضعة إياه في هذا الكم من المعاناة، والآن هي من أصرت على أن تدفع كفالته من مصروفها الخاص. لذلك كله.. ركضت تبحث عنه في الأزقة الباهتة البيضاء والسوداء، وفتشت الأسواق التي هي بطبيعتها بيضاء وسوداء، ونظرت بين الأشجار التي كلها أيضاً بيضاء وسوداء، وطاردته داخل المقاهي البيضاء والمقاهي الأخرى السوداء، وحتى على طول شطء النهر المبيض والمسود... وظلت في تنقيبها ذاك، بين الأبيض والأسود، تتفحص سحنات وجوه الناس الملونين، بحثاً عن كلرليس الذي لا يحمل لوناً.
في النهاية كان لڤيولت أن تعثر على كلرليس، جلست بجانبه دون أن تقول حرفاً، أسندت رأسها المتعب من البحث على كتفه، تشبثت بيديه عديمتي اللون، وحين أحست برعشة كفيه ضمتهما أكثر.
كانت ڤيولت ناشطة لحقوق الأقليات اللونية ورسامة بورتيه محترفة، تزين لوحاتها البيضاء والسوداء المعارض البيضاء والسوداء، وتواظب في المشاركة وتنظيم مهرجانات التباين. قالت لكلرليس بصوت فيه مواساة: (قرأتُ كتابك الأخير، أنت تدرك مدى الإزعاج الذي سببته لهم).
اِلتفت كلرليس إليها للمرة الأولى منذ أن جاءت، مجرد نظرة خاطفة، ثم عاود تجهمه..
قالت ڨيولت، تتذكر بعض ما قرأته من كتابه:
(الشمس بيضاء وسوداء،
نجمة كروية محترقة،
كل صباح تنير الملونين،
وتضيء غير الملونين،
فيتعرقون.. كلهم.. سواسية!)
أعاد كلرليس النظر إليها، هذه المرة بشيء من الفضول، تأمل لونها البنفسجي، ملامح وجهها المفعم بالشباب، والعقد الأبيض والأسود الذي يتراقص على جيدها. أراد كلرليس أن يهمس لها بكلمة لكنه في الأخير ظل صامتاً.
أكملت ڤيولت القصيدة:
(يبول الملونون في الصباح واقفين..
كغير الملونين،
يبول الملونون جالسين..
تماماً كغير الملونين،
يبلل أطفال الملونين مفارش أسرتهم،
يفعل عين الشيء أطفال غير الملونين،
لكن في عالم الألوان..
يبول الملونون فوق غير الملونين!)
حاول كلرليس أن يتماسك أمام صوتها الرقيق، بيد أنه بكى بحرقة طفل محتضناً إياها. لقد عانى طوال حياته من كونه عديم اللون بلا أوراق ثبوتية؛ ففي عالم الألوان -حيث كل شيء مميز بالأبيض والأسود عدا البشر- كان يتم التعامل بين الناس وفق تشريعات قانون اللون المنمق، فكان ذوو الألوان الأساسية هم الحكام وملاك الأراضي ورجال دين اللون، وكان ذوو الألوان الثانوية مهنيين وموظفين، أما أصحاب الألوان الثالثوية -خليط من بقية الألوان- فكانوا العمال الحرفيين واليدويين. لكن للقلة التي ليس لهم لون، البدون، نزع القانون حقوق وجودهم.
قالت ڤيولت:
(لقد كشفتَ يا كلرليس في كتاباتك زيف بهرجة المجتمع، عرّيته وأزلت الظلال والزخارف. إن مهرجانات التباين هي ليست احتفاءً بالتعدد اللوني وحرية الملون بقدر ما هي تكريس للتميز والوصمة.. وما حرمانك من الحديث فيها سوى تأكيد على ذلك، لكنني أفهم الحقيقة، إنني أفهمك).
وثم نهضت ڤيولت وقبلته دون مقدمات، قبلة عشيقين قديمين، تخلى فيها كلرليس عن حذره وتجاوب معها..
قالت ڤيولت وهي تنظر في وجهه الذي بلا ألوان: (أحبك يا كلرليس..!)
فسألها كلرليس بتوجس: (أتدركين كم هو صعب هذا الحب؟!)
قالت ڤيولت: (لا آبه.. سأقاتل بجانبك حتى آخر ذرة لون أحملها)
قال كلرليس: (أي جنون هذا الذي تكنينه!)، ثم غرقا في الحب..
في البداية كان حبهما سري، يلتقيان متخفيين من أنظار سلطة ضبط الألوان، هي تهديه لوحة بورتيه، وهو يهديها رفقة كل قبلة قصيدة. لكن كان لا بد لعشقٍ بين كاتب منبوذ بلا لون ورسامة مشهورة ملونة أن يتسرب للسابلة، وأن تتناقله الألسن إلى صحف الفضائح الرمادية، فاستثمرته جريدة ألوان-تايم في مانشيتاتها العريضة، وحوّر كتاب الأعمدة حكاية قصتهما من حب جامح إلى قضية رأي معادية للعرف اللوني السوي ومشوهة للذائقة الأخلاقية.. على إثر ذلك، ومدفوعين بالغضب، طالب أنصار دين اللون المتشددين بقطع رأسيهما والتمثيل بجسديهما، وتم إقصاء ڤيولت من المشاركة في معارض الفن والمنتديات وأُتلفت أغلب لوحاتها، وتمت مصادرة كل كتب كلرليس وتجريم قراءتها. حتى أُسرة ڤيولت، أُجبرت تحت ضغط المجتمعي على طرد ابنتهم والتبرؤ من سلوكها النشاز.. لكن ڤيولت كانت قد حسمت أمرها سلفاً، مفضلة كلرليس على هذا العالم الغريب.. فهربت معه إلى ضواحي مدن الأبيض والأسود المعتمة، متخلية عن كل أمانيها، إلى حيث كانت تأمل أن لا يأبه إليهما أحد.
تزوج كلرليس وڤيولت بلا طقوس في دار عبادة قديم اندثر إلهه منذ قرون.. وسكنا تحت الأرض في ظلمة داكنة لا تمكنهما من تبين ما حولهما. كان كلرليس يطير من الفرح وهو يحتضن ڤيولت وتعلو تقاطيعه تعابير الفرح، لكن أيضاً ثمة همٌ يكمن في أعماقه، يعكر صفو تفكيرة.
قالت ڤيولت عندما تلمست قلقه: (لا تبتئس فأنا معك... إن هذا العالم زائف وبتضحيتنا سنكشفه للآخرين، صحيح أننا استسلمنا اليوم، لكن نار الحرب التي أشعلناها لن تنطفئ، وما دمروه من أعمال وكتب، لعلّنا نرسم وندون غيرها العشرات)
قال كلرليس: (أنا محظوظ بك).
خلال تلك الفترة، التي لم يجدا فيها حتى ما يأكلانه، ظلّا يواظبان على الرسم والتأليف تحت أسماء مستعارة.. كانا يكتبان روايات الحبكة الرخيصة لسد الرمق، متضمنة لرسومات عشق مبتذلة. لكنهما في ذات الآن كانا يداومان على العمل في مشروعهما الخاص؛ التلوين. كان لدى ڤيولت حلم ما منذ الطفولة، وهو الذي دفعها في الأساس لأن تصبح فنانة، أن تعثر على الأصباغ خلاف ما هو أبيض وأسود.
أولاً، مع غضب الجوع والألم، عثرت ڤيولت على اللون الأحمر، صنعته من شعرها البنفسجي الشائب، مع جزء من دمها المتخثر وقطعة جلد، وحينما دهنت به كلرليس ليصير السيد ”ريد“ بدا الأمر كأنه ولد به. عثرت ڤيولت على اللون الأصفر، من أوجاع طمثها، مع إضافة أظفار وسن، وعثرت على البني والأخضر والبرتقالي عبر تقطير دموعها... وفي كل مرة بات كلرليس شخصاً جديداً، بأوراق ثبوتية جديدة؛ مستر ”يلو“، سيادة ”براون“، سنيور ”قرين“، و السير ”أورانج“.
مع دهانات ڤيولت الزاهية صار بإمكان كلرليس أن يتحرك في عالم الأسود والأبيض دون أن تنتبه له السلطات، مقتحماً أكثر التجمعات المغلقة سرية ومبدياً آراءه وفلسفاته... ومع أن أحداً لم يأخذ رأيه على محمل الجد، حتى تلك اللحظة، إلا أن كلرليس كان يعلم في قرارة نفسه أن التغير يبدأ بشيء ضئيل لا يأخذه الناس عادة على محمل الجد.
قالت له ڤيولت: (أنا أحبك أنت، وليس لونك أو عدم لونك!)
رد عليها كلرليس: (وأنا هو أنا، حبيبك كيفما كان أو سيكون!).
.jpeg)
تعليقات
إرسال تعليق