يَدٌ

إبراهيم جعفر مكرم


      عندما جاء الرجال العسكريون بما بقي من جثة الضابط إلى الأرملة، جلستْ تبكي قُرب الرفات المخضبة بالدم. ولم يستطيعوا أن يثنوها من أخذ اليد المبتورة وضمها إلى حجرها، متذكرة بتأوهات وأنين لكل اللمسات الأبدية التي خصّها بها. كانت الأرملة قد حملت اليد ووضعتها على الشرفة داخل الأصيص.. ألبستها خاتم زواجهما الفضي، وأعلنت الحداد على روحها مدى الحياة.

      في البدء نمت اليد باردة ومزرقة، لكن مع الاعتناء بها تفتحت بتلات أصابعها تحت ضوء الشمس كزهرة، وجاء النحل مسافراً إليها من بعيد، تجذبه رائحة العطر الشذي الذي ملأ الأرجاء. كانت الفراشات الملونة تحوم حول الرحيق والندى، فراشات لم تُرَ من قبل، تحلق وتهبط على أطراف الأصابع مسدلة أجنحتها كملكات. وعندما تهب الريح، خفيفة وناعسة، كانت اليد تلوح كفها للمارة الحائرين، مرحبة بهم، وداعية لهم طريق السلامة. تتلهب للمصافحة، وتندي للحب.

     داومت الأرملة في كل صباح على سقاية يد زوجها وتقلِّيم أظافرها ومواساتها، ماسحة إيّاها بمنديل حدادها لتزيل الرعشة والعرق. كان ما يزال بإمكانها أن تشعر نبضها الحار الخافق، كما هو على الدوام، يهز كل غرف البيت. وتتحسس ألمها الصامت في اللحظات الأخيرة.. وبصمودها البطولي.

        حين حلَّ الشتاء لم تعد اليد قادرة على تحمل البرد، شحبت وتجعد جلدها وذبل، ومع أول نفحة هواء تحولت اليد إلى هيكل عظمي.. تناثرت أوراقها. واحتاجت الأرملة لمعجزة فقط كي تجعلها تتنفس.

     الكل ظن بأن اليد تموت، انفطرت قلوب الأطفال الذين كانت تهديهم الاتجاهات. بكتها النسوة اللاتي أدمن رؤيتها متفتحة وملوحة. لذلك اقترحنّ على الأرملة أن تذهب بها إلى المقبرة وتدفنها. لكنها لم تفعل. قالت: إذا كان لابد أن تدفنوا يد زوجي فادفنوني معها.! ثم قامت وسهرت عليها كما لو أنها ترعى وليداً، دفأتها بجرابات الصوف التي نسجتها، وغنت لها أغاني ما قبل النوم.

      حينما أتى الربيع، كانت اليد ميتة وبلا أي أثر للنبض. لكن بدلاً عنها نمت العشرات من زهور اليد الصغيرة التي تحمل نفس خطوط الكف وبصمات الأصابع. نبتت في كل مكان؛ على أسقف المنازل وأمام الأبواب والطرقات، وفي الدرب الطويل الذي يسلكه الجنود إلى المعارك. كانت الأيدي ثائرة. تقرع الأبواب والأجراس، وتشد العابرين من ثيابهم. كانت تهدهد الرضع الجياع، وتمسح على رؤوس المخذولين اليتامى. تساعد العمال اليدويين، وتدل التائهين على وجهاتهم.

      نبتت الزهور دون أن يستطع أحد أن يكافحها. منتشرة في الحدائق العامة والمنتزهات. الفتيات المراهقات اعتدن على تزين خصلات شعرهن بزهورها الصغيرة. والعشاق الهائمون تبادلوا سراً باقاتها المقطوفة بعناية. مرفقينها داخل رسائل ملتهبة مكتوبة بالأحمر.

     عندما وجدت الزهور أخيراً طريقها إلى ساحات الحرب احتلتها بالكامل، نازعة السلاح بالقوة من أيدي المتقاتلين، مجبرة إيَّاهم على الاستسلام. كانت الريح قد حملتها إلى حقول الألغام فتفتحت مفسدةً كل الفخاخ المخبوءة. وما إن حاول رجال الجبهة مواجهتها تسللت خلسة إليهم وأسرتهم، ودون مهادنة نفذت فيهم محاكمات عادلة بحق مجرمي الحرب وكبار الجنرالات.

      عندما عمَّ السِلم، صفّقت زهور الأيدي نغماً جنائزيناً حزيناً، لحناً آسراً أبكى الخلائق. ثم اصطفت في طابور ممتد لا نهائي تنبش بأصابعها القبور والأجداث، أخرجت الآلاف من ضحايا المعارك وأعادتهم للحياة، انتشلت أرواح متعفنة عالقة من داخل الخنادق وحررتها، جمعت شظايا الأجساد رممتها وأحيتها. وحين عثرت على جثمان الضابط مبتور اليد، حملته في تشييع مهيب إلى نافذة أرملته، وجعلته يلوِّح لها... كانت زوجه ما تزال تغني أغاني التوق الحدادية الحزينة، وعندما نظرت إليه، إلى عينيه، قالت: حبيبي، انتظرتك طويلاً.!

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الصف

عجز

حكاية الزول الذي صدمته سيارة جيب