حلم

إ. ج. م.


    اِلتقيتُها في غفوة ظهيرة ما. كانت منهكة ويبدو عليها التعب، وبالطريقة التي نظرتْ لي من خلالها عرفتُ بأنها لم تتوقع أن يزورها أحد. تململتْ: (بربكم، إنه منتصف النهار!) وحين لم أبدِ أي خيار تقدمت نحوي قائلة: (إنه وقت راحتي، فهلَّا أنهيت الأمر بسرعة). وهمت مستسلمة لنزع رداءها. 

      كان المكان مألوفاً، غرفة فارغة للأحلام السريعة، به سرير تجلس عليه إيروتيكا التي باتت الآن عارية.

ندهت عليَّ: (تعال وخلصنا، ليس لدي كل اليوم هنا من أجلك!).

      أنا لم أكن قط متهيئاً للقاء كهذا، ليس بهذه الطريقة، وفي الأصل لم أعرف ما الذي أتى بي. قلت لها: (لست في المزاج).

    لعنتني: (ومن هو الذي في المزاج؟! لقد عاشرتُ نصف الكرة الأرضية بالأمس، والليلة سأعاشر نصفهم الآخر)..

     هززت لها رأسي، فالأمر برمته لا يعنيني، ثم انشغلتُ بمراقبة ساعة فضية على الحائط. تبرمت إيروتيكا وارتدت ملابسها بإهمال، بجامة فضفاضة، وانتظرت علّي أظهر تعقيباً ما، مواساة ما، لكنني لم أفعل... حينها استوتْ على السرير، تأملتني بفضول، همست: (أيام عصيبة، هه؟!)، وافقتها بإيماءة. قالت: (حسناً يا ذا الأيام العصيبة، بما أننا لن نؤدي حباً، أيمكنني الاستراحة داخل حلمك؟) وضحكت: (لا تستيقظ أرجوك، ليت كل الأحلام سهلة هكذا ولا يطلب منك فيها تأدية أشياء غريبة).

        بعد ذلك، حرفياً، لم نفعل شيئاً، جلس أي واحد منا على الجانب المقابل من السرير. كانت هي تسرِّح شعرها وتلفه على شكل كعكات، بينما ظللت أنا أتطلع إلى الساعة الفضية، وانتبهتُ إلى أن عقاربها تتحرك عكسياً.

      (أنتَ، أيمكنك أن تحلم بوجبة غداء؟!) سألتني إيروتيكا، وعندما استفهمتها قالت: (أليس هذا حلمك، تصرف). فكرت في أنها ربما تعني أن حلمي تحت المشيئة، فحاولت أن أتخيل لها طعاماً، لكن خلافاً لذلك ظهرتْ مكتبة كتب قديمة. تهكمت إيروتيكا: (أمثقف أنت؟!)، ومستسلمة للإحباط سحبتْ كتاباً وبدأتْ تقلبه: (تباً لكم معشر المثقفين، وحدكم من يخلطون بين حوجة الأكل وجوع القراءة!)

      لم أصغ لسخريتها، فقد انحصر تركيزي في حساب الوقت العكسي، كانت الأرقام على حواف الساعة الحائطية عبارة عن كلمات متغيرة تظهر وتختفي بسرعة، مما عقد من ملاحقتي للزمن، وعندما قررتُ أن أحدد لحظة انطلق منها كانت العقارب تشير إلى شوكة حوت-ساعة، مزبلة التاريخ-دقائق، وهذيانات خط الاستواء-ثوان. قلتُ بصوت مسموع: (كابوس)، وأشرتُ بأصبعي لإيروتيكا. لكنها بدورها قذفت بالكتاب نحوي قائلة: (إنه هدر للوقت، هل يحتاج الإنسان حقاً لقراءة هذا لمعرفة كيف يكون الأمر). أخذت الكتاب الذي أزعجها فتفاجأتُ بأنه ”الروض العاطر في نزهة الخاطر“، النسخة الكاملة، واستغربت لأني كنت في أشد الحوجة إليه لعمل رسالة بحث، ومندفعاً بدهشة طفل بدأت أطالعه، بيد أن الخيبة تملكتني فصفحاته كانت غير متوافقة، شظايا ذاكرة من مدار السرطان لهنري ميلر والديكاميرون. أرجعته إلى مكانه وفكرتْ أن الحياة أيضاً غير متوافقة؛ ما إن نجهل شيئاً حتى نستبدله بتجارب موازية.

        اقتربتْ مني إيروتيكا لحظة إحساسها بتوتري، فمسحت عن جبيني العرق ووضعت رأسها على كتفي، وتسللت يدها الأخرى خلسة إلى هناك، لكنها لم تجد انتصاباً. بينما شرعتُ أنا أتفحص عناوين الكتب في مكتبة أحلامي؛ ماركيز دو ساد، نابكوف، يوسا، وديفيد هربرت... ومحاولاً أن أتذكر همهمتُ لها أن كل الكتب التي قرأتها أو سمعت بها موجودة هنا. تثائبتْ إيروتيكا من الملل وعدم استجابتي وغفت على حجري، نامت لدقائق فقط، لكنها سرعان ما جلست مرة أخرى ونظرت مباشرة إلى عيني، قالت: (تعرف أنه بإمكاني التحول إلى أي شيء، أليس كذلك؟!)، هززت كتفي، فابتسمت لي: (إذا أردت يمكن أن أتمثل ولداً من أجلك). وتماماً كظل -تغيرتْ عنه زاوية الإضاءة- تبدلت طلتها إلى ولد، إيروتيك، وليزيل عني الرهبة قال إيروتيك بصوت خشن: (أنا مثل المرآة، ما يفكر فيه عقلك الباطن أصبحه)، سألته: (أأنا منحرف؟)، اهتز جسده ضاحكاً، كانت البجامة النسائية تتحول ببطء إلى عراقي رجالي شفاف واختفى شعر رأسه لينبت شارب خفيف، قال: (في الأحلام يصير كل الناس منحرفين، أنا، أنت، شيخ الدين، وحتى الآلهة في أحلامها المقدسة أحياناً تضل)، آنئذ بصقت على الأرض، وشعرت بألم في معدتي، ودوار خفيف، كانت الساعة الفضية تشير إلى منتصف الجنون-ساعة، وشيطانات بركة ساكن-دقائق، والستر والفضيحة متعاقبات-ثوان. قلتُ كأني أوجه كلامي إلى لا أحد: (الوقت متأخر). فوقف إيروتيك متحمساً: (أيبدو لك هذا المكان معيوباً؟)، وبدون مقدمات تحولت الغرفة إلى صالة انتظار في محطة قطار عامة.

       ارتعبتُ وتساءلت: من يقود الحلم، أنا أم الآلهة النائمة؟ لكن إيروتيك قال: (هذه القاطرة تسافر بك إلي حيث تريد، ولن يسألك أحد من أنت وما مبتغاك، فقط رحلة عابرة تفعل فيها ما تود أن تفعله)... ثم جلس بجانبي على مقعد انتظار الركاب، كان ما يزال يحمل في يده كتاباً لتانازاكي، وضع نظارة طبية وبدأ يقرأ بتركيز، بينما راقبتُ أنا لوحة إعلانات تحمل ساعة مضيئة تدل على وجهة القطار القادم. قلتُ لإيروتيك: (القطار القادم متجه نحو الأراضي المعتمة، سيحضر عند ساعة ثورة نافقة وخرطومئة دقائق)، فأنزل هو الكتاب وقال لي: (إذن فقد اقترب، سأقطع لنفسي تذكرة، هل يمكن لي أن اصطحبك؟)، وقبل أن ينتظر ردي غادر... كانت مشيته غريبة، وانتبهتُ إلى أنه أعرج مبتور الساق، ولوهلة ثارت في داخلي مشاعر متناقضة، تحديداً تجاه العرج، وخفق قلبي وتوترتُ.. فهو لم يكن يبتعد بالمعنى، إنما كان مشيه الأعرج إلى الأمام لكن أيضاً ظلت المسافة بيننا تقصر، حتى وصل إلى كابينة قطع التذاكر ووصل في ذات الآن إليّ، وضع يده هناك فوجد شيئاً، قال لبائع التذاكر، وقال لي: (تذكرتان لا نهائيتان، ذهاب فقط، ذهاب دون عودة) وابتسم ابتسامة فكرة مكبوتة.!

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الصف

عجز

حكاية الزول الذي صدمته سيارة جيب