مقتل تانك

إبراهيم جعفر مُكرم 

(وجب التنويه إلى أن هذه القصة خيالية ولا تمت للواقع بصلة، وإن حدث وتطابقت الوقائع والشخصيات مع أحداث مماثلة فهو من باب المصادفة ليس إلا!)


• تانك؟

     قد يبدو لك اسم "تانك" غريباً كي يُكنى به طبيب، أو بالأصح مساعد طبي... وذلك لأن تانك على مدار سنواته البعيدة لم يكن سوى فني تمريض يعمل على إعطاء الحقن الوريدية وخياطة الجروح البسيطة مع تغير ضماداتها دورياً.. لكنه استطاع، وبمجهوداته الخاصة، وعلاجه لعدة حالات مستعصية كحالة الحاجة "مدينة" و "ست البنات" أم "الزين" و "الزين" وقت أن اعترته الشقيقة، وآخرين كثر.. من أن ينال شهرة لا تضاهيها شهرة في علاج الأمراض الفتاكة في كل الريف الشمالي لأمدرمان... وأن يستحق بجدارة لقب الدكتور أمام اسمه المضحك.

      "تانك"، اللقب الذي حورته السنون وتلاعبت بجزئيات حروفه كما تلاعبت بكلّيات صاحبه.. من سي الأستاذ "كانط" الفيلسوف الذي يسكن منطقة الديم ويقطع بدراجته "الدبل" المسافة بين الحلة ومشفى الخرطوم في ربع ساعة فقط. بدّلته الأيام، من الرجل الهيبي الذي أقام مراسم العزاء على "الراسطة" الخالد بوب مارلي في حي كولمبيا بالحلة وغنى مع من غنوا "بيمبرس بردايس"... والذي لطالما ارتدي بنطال الشارلستون مع حزام عريض وقميص "تحرمني منك" المخطط، مخنفس الشعر، يعزف الجيتار مع "عثمان ألمو"، يرقص على إيقاع الريقي ويشاهد السينما المسائية... غيرته بلا هوادة، ضنك المعيشة، إلى "طانك" بلغة "الرندوك"، ثم بصورة أيسر على اللسان إلى "ت.ا.ن.ك" كأنه مجرد عصير برتقال أو ماعون لحفظ الماء. تخيل -ويالها من دنيا- أن المناهض السياسي "عبدالعزيز كانط" العضو الفاعل في الحزب الشيوعي الذي له من الصداقات والعلاقات ما له، والذي تدارس آراءه المايويون والإسلاميون، الأمميون والدمقراطيون، البعثيون وما شابههم، كلهم على حد سواء... صدق أو لا تصدق هو ذاته دكتور "تانك" المقتول قبل عدة أشهر بتسع عشرة طعنة، والذي بعد أن نزل المعاش وضاقت عليه سبل الدنيا لتوجهاته السياسية أولاً، ولتنكر الأهل والصحاب.. لم يجد أمامه مكاناً غير السكن في خطة القرية اﻹسكانية "مشروع الفتح واحد"، مع من يكابدون العيش لحياة كريمة.

   عزو تانك، أو عبدالعزيز كانط.. الدكتور والممرض سابقاً، العازب في كلتي حالتيه، والذي ما عاد مرتب تقاعده وما يجود عليه الناس من جراء تطبيبهم يكفيه لاحتياجاته اليوميه؛ من علبتي سجائر "لورد"، قارورة "عرقي"، جريدة تسلية، فنجانيّ قهوة، نصف برميل "موية"، مكعب ثلج، وجبة عشاء، إيجار لمبة ليلية مشتركة تعمل على مولد البترول، ورصيد "إم تي إن" للتحدث مع الحبيبات وإرسال رسائل الغرام...

• من قتل تانك؟

       دكتور تانك رجل عجوز وضامر يمكن لأي أحد أن يقتله، فهو بالكاد حينما تهب العاصفة الرملية "الكتاحة" يجاهد لأن يكون ثابتاً على الأرض... وعندما أجرى رجال التحري تحقيقاتهم المملة خلصوا إلى أن للجميع مصلحة في موته، حتى أنه في آخر أيامه اُفتعلت معه عدة شجارات بلا داعٍ، وتعرض للضرب المبرح والتهديد الصريح على يد حبيبة ضبطته يغازل جارتها.. وأخرى تأديبية من رجال الأمن لنشاطاته الثورية..

        لكن وبقليل من التمعن ستعرف أن ليس من المعقول أن يكون لـ "فطين" ضلع في الجريمة، أو في أي جريمة أخرى .. ففطين العانس -جاء ذكرها في التحريات بحبيبة رقم (٣)- والتي تجاوز عمرها الأربعين خريفاً، كيف لها بتر الفارس الوحيد الذي طرق باب أحلامها وراود اﻷماني، لأجل أنه غازل لا سمح الله جارتها المفعوصة، تقول: (الله محلل لي "تانكي" أربعة).!

         وكذا بالنسبة لـ "عاصم كوز" الأمنجي وجماعته من الرباطة.. فبالرغم من أنه تمت ترقيته في الحال ومنح امتيازات وحوافز جراء موت تانك إلا أنها محض مصادفة.. صحيح أن عاصم هدد تانك بالقتل وضرب ظهره بالسيخ وعيدان الخشب الغليظة.. لكنه لم يستخدم السكاكين في تأديبه، بل على العكس فمصلحته تكمن في تأجيل تصفية الدكتور إلى حين موعد الانتخابات ليرهبوا به القرية... حقاً قد يكون تانك دائم التحريض للمواطنين على الخروج للشارع، لكنه يندرج تحت المطالبة بالحقوق الأساسية من ماء وكهرباء. وحتى "عاصم كوز" نفسه تكتم في تقاريره اليومية عن رفع اسم الدكتور عدة مرات لأنه يرى عدالة هذه المطالب دام أنها لا تمس المصلحة العامة.. وأن العلقة التي أكلها قبل مقتله كانت لأجل تنبيهه وأخذ الحيطة.!

• حسناً؟!

         يروي الجيران الفضوليون بفخر واعتزاز عن أن للدكتور بعض النزوات التي يتعاطى فيها الخمر، حيث من حين ﻵخر يزور بيوت القرية الفوق أنداية ميري أو تل "أبو دوبة" حسب المزاج. لكنهم يتفهمون جيداً أن لهذا مفعول السحر عليه.. فيجعل الحياة تدب في عروق جسده الناحل ويحوله إلى فراشة نشطة لا تستكين.! يقولون أنه استفاد من فترة عمله كممرض حكومي على مدار ثلاثين عاماً، احتك خلالها بالأطباء من مختلف التخصصات وصاحب الصيادلة وتقنيي المعامل، ليمنحهم الله -العارف بحالهم- هذا العجوز الذي يداويهم فعلاً بالمجان.. فمن ذا الذي يأبه لسلوكياته الشخصية. وفيما عدا الحاج "بكري" إمام الجامع، و"السنوسي" أنصار السنة، لم يأبه أحد لهذه المهاترات.!

• إذن؟!

       حاج بكري الصوفي على الطريقة "الطيبية" المنبثقة من طريقة ما، لا ينكر أبداً فضائل الدكتور، فتانك بخبرة أمهر طبيب أعاد إليه الحياة بعد أن تنازعه الموت وأرهقته علاجات الملاريا والتايفويد ومئات المضادات الحيوية.. وفقط من خلال وصفة حبوب صغيرة وجد نفسه يؤم الناس ويخطب الجمع... يقول: (صحي دكتور تانك دا فاجر ومسخوت، بس وحياة سيدي المبروك يجعل ولايته في أضعف خلقه... بعدين هو أنا أكان عندي قوة للقتل ما أولى بيها رأس الوهابي دا!)

         وهذا أكيد، فالعداوة بين بكري والسنوسي معقدة ومتداخلة ولم تقتصر فقط على حكم حلق اللحية، القباب والأضرحة، ومسائل الذات والصفات.. بل تعدته لتشمل نزاعات يصل مداها للاشتباك بالأيدي وفي أمور حياتية صرفة، كعراكهما مثلاً في تحديد موقع مكب النفايات.!

          يقول السنوسي: (دكتور تانك ربنا يرحمه إلى ما صار إليه كان ضال وعاصي، لكنه مسلم وغير كافر، وهدر دمه -ساي كدا- حرام شرعاً... لكين آناس، قولوا للبدعي العطلنجي حاج بكري النفايات دي ما تتكب جنب بيتي، حلة غجر!).

• انتحار؟!

       طبعاً لتانك تصرفات لا يمكن أبداً أن تصدر إلا من رجل عازب غارق في الحزن.. ففي كل ليلة عند الساعة الثالثة -وهو ذات التوقيت الذي وجد فيه ميتاً- يمكن لك أن تسمع صوت نحيبه الكئيب يهدّ الظلام.. يهمس باسماء أُناس مجهولين، ربما أهله وربما اسماء بلا معنى سقطت من الذاكرة.. ينادي ويخطب كخطيب مفوه، مترنماً بشجوٍ أليم حتى انفلاق الصباح، حيث يتسلق تل "أبو دوبة" ومعه قزازة العرقي يشرب إلى أن يفقد الوعي.!

        صحيح أن عينين واسعتين -يملكهما تانك- تخبران علناً بأنه قد ينتحر، لكن ليس بتسع عشرة طعنة ثلاث منها منتصف الظهر.. ومهما كانت رغبته في الموت أكيدة فلن يستطيع قتل نفسه بتلك الطريقة.!

•جيرانه؟

       منزل تانك ليس له باب مطل على الشارع وإنما زقاق ضيق مفضي إلى المركز الصحي الذي يتحول إلى صالون لاستقبال الضيوف أوقات الراحة... ويتكون البيت -إن جاز بتسميته بيتاً- من غرفة واحدة ملحقة معها "مزيرة" للشرب وحفظ الأطعمة... وبالتالي فإن الدكتور لم يكن يملك عملياً سوى جار واحد من الجهة الشمالية؛ بيت الأرملة "ست البنات". والحقيقة أن علاقته معها مضطربة وفي تقلب مستمر، فست البنات تدعي مراراً أنها ضبطته يتلصص عليها بلا خجل عبر شقوق الحائط، كما أن تانك سبق له وأن طلب يدها للزواج على سنة الله ورسوله مما أدخله في صراع حاد مع ابنها "الزين"... لكن من جانب آخر فقد عالج تانكُ الزينَ من آلام الشقيقة نهائياً، وحينما سافر الأخير إلى الذهب تفاجأ الجميع بأن الدكتور هو أول من أنقذ أمه من الحريق الذي نشب في "التكل" واعتنى بحروقها دون أن يأخذ منهم قرشاً، ممّا دفع أم الزين في رمضان التالي -وهي تعرف أنه لا يصوم- إعداد العصيدة بإدام الملوحة وتقديمها مع جك الآبري المثلج أو الرقاق باللبن.. كما أن الزين انتهى في الأخير إلى قناعة تامة مفادها أن تانك مخنث لا خوف منه وكف عن أذيته.. وفي ليلة وقوع الحادث شهد أولاد حاج "بكري" التسعة أن الزين كان سهراناً معهم في نادي "الفتوح" لمشاهدة فيلم هندي راقص...

• ما على تانك؟

        ستتفاجأ إن أخبرتك بأن ديون دكتور تانك بلغت خمسمائة وخمسين جنيهاً حتى يوم مقتله، نصفها مقيد في دفتر دكان ود التوم والنصف الآخر لميري من سكان ناس "فوق".. كما يوجد ضده بلاغ مفتوح لسرقة غنماية حاجة مدينة وآخر مغلق لاعتداءه على "عبدالرسول الشمالي".

       في التحقيقات أكد ود التوم صاحب دكان "قدر ظروفك" أنه في الأساس لا يتعامل بالدين إلا مع الدكتور، لأنه الشخص الوحيد الذي يحرص على حل متأخراته أول بأول.. كما أن تانك بالمقابل يتابع له ارتفاع ضغط الدم والسكر موفراً له احتياجاته من الفحوصات والأدوية.. هذا بالإضافة لأن مشتريات الدكتور اليومية لم تكن تتخطى في أفضل أيام البهجة علبتي سجائر، طحينية وكأس زبادي، بسكويت بركة، ربع رطل سكر، زيت فول، صابون غسيل، وأحياناً نادرة لبانة شكلت.. ويتمكن من سدادها كل خمسة عشر يوماً بالتمام والكمال، لهذا فود التوم عفا عن حقه لله.

       أما ميري ست الأنداية فقد انكرت معرفتها بتانك ووصفته فقط بزبون حسن الخلق، رغم أن كل أهل الحارة يدركون عمق علاقتهما الشديدة، حتى أنها لبست على فراقه الحداد أسبوعاً كاملاً... لقد اعتاد الدكتور الذهاب إلى "الكار" لشراء جركانة "سرّاقي"، قائلاً بإعجاب أن "مريستها" المُرّة الحرّاقة هي الشيء الوحيد الذي يبقيه حيّاً. وكانت ميري تعامله بالمقابل بطريقتها الخاصة.. فتانك هو من ساعدها على مقاومة تليف الكبد واليرقان، وأجبرها على الإقلاع عن السُكر، تقول: (حليلو راجل الرجال المات بدون عيال.. كان بوصيني يا شيخة ''مِيرا" سويهو وأوعاك تضوقيهو، شديهو وما تشربيهو... نحنا كبدتنا حجر بس إنت يالأميرة الجميلة كان هلكتِ عاد نلقاهو وين؟!) ... ولا أحد يدري إن ما كانت هذه العلاقة جسدية أيضاً، لكن مايزال الناس حتى يومنا هذا حين تجيء سيرة دكتور تانك ومقتله البشع يتذكرون غناءه المخمور أنصاف الليالي، وإنشاده لقصائد إليا أبو ماضي التي حفظها الأطفال...

• مشاغبات؟

        تحلف حاجة مدينة أن السكران الذي سرق غنمايتها هو دكتور تانك ولا أحد غيره، واتهمته بذلك علانية فاتحة ضده بلاغاً في قسم الشرطة. فهي تحسب أنه باعها لكي يوفر ثمن المريسة، وشهد لها بذلك بعض أولاد الحلة المسلطين، وعلى الرغم من تدخل الأجاويد وعقلاء الحيّ إلا أنها تمسكت برأيها قاذفة السباب واللعان على الدكتور ومتوعدة إياه بالقتل -مؤكد ليس بهكذا ميتة بشعة: (سِبْ فوقو المنعول، الله ياخد حقي منو، أنا من ما اتكل حتن شميت العافية، كل يوم جدادة ضايعة غنماية رايحة، عامل زي المرفعين مباري لي الجدادات والغنم، لكين آ ناس كيفين عاد أساوي روح زول عالج ملاريتي الخبيثة بي غنماية عجفاء!)

       أما عبدالرسول الشمالي رئيس اللجنة الشعبية هو أكثر من حمل في دواخله حقداً دفيناً للدكتور، فبينهما مئات الملاسنات والمعارك التي وصل مداها أقسام الشرطة وكتابة تعهدات مُلزِمة بعدم تعرض أحدهما للآخر... ويعرف القاصي والداني في قرية الفتح أن السبب الرئيسي خلف هذه المشاحنات هو التأمين الصحي الذي يشرف عليه الشمالي، حيث اتهمه تانك بأنه يقوم بتمرير اسماء غير مستحقة وأخرى وهمية ليتمكن من الحصول على أدوية ومن ثم تسريبها وبيعها بصورة غير شرعية، مما دفع باستدعاء ضابط التأمين وسحب الإشراف من اللجنة الشعبية وجعل إدارته في يد المركز الصحي. كانت وجهة نظر الشمالي أنه لكي يستمر عمل المركز لابد من بعض التجاوزات هنا وهناك، فعائدات المركز لم تكن تغطي بأي حال الاحتياجات اليومية وأجور العاملين. صحيح أنه مركز خيري وبرعاية من منظمة الإحسان والإيمان إلا أن هذا لم يكن يوفر سوى بعض الفتات الذي لا يسد عوز...

    ووصل عدائهما هذا سقفه إبان فصل الخريف حينما ضربت الفيضانات المنطقة متسببة في دمار شبه كامل لقُرى الفتح والإسكانات... كان تانك من أوائل المتطوعين الذين ساندوا المنظمات المدنية في حصر الأضرار وتقديم المساعدة.. حيث أن له علاقات جيدة مع مجموعات "نفير" مكنته بالقدر المتاح من دحر جزء يسير من آثار الخراب.. للحق كانت كل بيوت الحلة مسواه على الأرض، وضربت الأمراض والإسهالات الأطفال وكبار السن بأعداد لم يكن مستوصفه الصحي يتحملها... وعندما قدّمت اللجنة الشعبية عبر رئيسها الشمالي اِلتماساً للحكومة لتوفير خيام وبطانيات رُفض الطلب بحجة وجود أماكن أكثر تضرراً، لكنها بالمقابل قدمتْ المواد التموينية الأساسية من سكر ودقيق ورز وعدس، للأسف انتهت عند أيدي اللجنة الشعبية دون غيرها. حينها ولأول مرة شاهد الناس تانك آخر -ربما من زمن أركان النقاش والأحزاب- يحمل في يده مطواه أمام منزل الشمالي، عيناه المحمرتان تبرقان، وصوته الجهور الخطابي يثقب الجدران... حكى الناس بتندر كيف أن الشمالي خاف وادعى سوء الفهم وقام مفزوعاً بإعادة توزيع المواد على المتضررين، يقول: (الكافر السكران الما بخاف الله دا كان داير يوديني، الشي شوية رز وعدس ما بتسد ليها جوع، لكين فوق شنو، أبعد عن الشر وغني له)

          من هذا الرد ودون الرجوع لمواقف أخرى، نعلم أن عبدالرسول رجل جبان أكثر من كونه حقوداً، ولن يستطيع جز عنق حمامة... وبالرغم من طغاينه الظاهر فإنه واظب بعد ذلك الموقف على مد حبال الوصل والمودة، فلم يكن ليتخذ قراراً متعلقاً بالقرية إلا باستشارة الدكتور، وحينما تحرّت معه الشرطة لم تتجاوز التحقيقات أسبوعاً واحداً وسرعان ما أخلت سبيله كاشفة أولاً عن بؤس الرجل، ثم عن سلامة شواهد براءته.

• المتعلقات؟

       خلّف تانك وراءه مكتبة صغير أكلت الأرضة جزءاً كبيراً منها، تحتوي على بضع عشرات من الروايات والدواوين، كتابين فلسفيين، ومجلدات تاريخية.. والتي كان وجودها في ذلك المكان يبعث في رجال التحري الضحك. وكان له أيضاً هاتفاً محمولاً -صيني الصنع بذاكرة خارجية- مملوءاً بأغاني إنجليزية قديمة وأخرى هابطة لا تتوافق مع رجل عجوز، وكذلك بمئات الرسائل التي بدت لأول وهلة مرمزة، ثم تبين لاحقاً -بعد إضاعة زمن مقدر في حلّها- أنها مجرد رسائل شبق مقلوبة بسبب عطب في نظام الجهاز، آخر رسالة منها:

   《كبحب اي نيطف، ينيحماس تطلغ يف كقح!》

تلاه رد فطين:

   《كاحماسم اي يتكوتنت》 .!

• وقائع اليوم الأخير؟

       حسب ما جاء في دفتر التحريات فإن يوم مقتل دكتور تانك لم يكن مختلفاً، فكعادته استيقظ عند قدوم "العوض" سيد كارو السقيا واشترى نصف برميل ماء، فمازحه في ما يمكن أن يفعله رجل عازب بنصف برميل كامل، ثم بعد أن استحم وملأ الأزيار لزم المركز الصحي حتى الساعة الواحدة ظهراً رأى خلالها عدداً متوسطاً من المرضى، بعدها توجه راجلاً إلى السوق وهنالك صادف عند ست الجبنة بعض رجال الحي يتناقشون عن الحل الجذري لتوفير الكهرباء؛ إذ أن المولدات التي تعمل بالجاز وتتشاركها عدة منازل لم تعد عملية بسبب ندرة البترول وارتفاع سعره.. بالطبع في مثل هذه الحالات ينسى تانك نفسه ويبدأ في التحريض ضد الحكومة، لكنه ما إن أسهب حتى انفضت الجلسة ووجد نفسه محاصراً من قبل المرضى الذين تأخروا عن اللحاق بالمركز. بعدها قام تانك بتحويل رصيد أريبا واتصل على فطين... وفي طريق عودته للمنزل صادف بعض الأطفال الذين يدرسهم اللغة الإنجليزية يهزرون مع "فضل المكسح"، فهزر معهم بدل زجرهم لكنه أسر لفضل بعد أن تملكه الغضب أن هنالك كرسي بعجل تم توفيره من قبل منظمة... عاد تانك مع موعد مناوبته المسائية التي انتهت عند منتصف الليل، ثم ذهب إلى خمارة ميري وقضى مأربه، وقبل أن يلج إلى بيته -بكل البشاعة التي في الكون- قُتل.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الصف

عجز

حكاية الزول الذي صدمته سيارة جيب