إبراهيم جعفر مُكرم نحن نعلم أنه مضى على انتظار أ. ج. م. في الصف ست ساعات، ونعلم أيضاً أنه كي يحصل على هذا الموقع المتقدم تطلب منه الأمر بذل جهد ضخم، فلقد استيقظ مبكراً قبل شروق الشمس، وركض مسرعاً ليحجز له مكاناً، ومن ثم تحمل بجلد حر الظهيرة الحارق. لذلك لم يكن له بأي وسيلة أن يتقهقر ويخلي مكانه.. تاركاً جل الأمر يضيع سدى. لكننا لا نعرف على وجه الدقة ماهية ذلك الصف أو إلى أين يؤدي، وبالكاد نجزم أن تاريخ الحقبة الزمانية الذي أجبر أ. ج. م. على ممارسة ذلك النشاط هو سنوات سقوط الدكتاتور. وبالتمحيص في طول الطابور البشري -الذي يبدو امتداده لا نهائياً- وجدنا أنه يمكن أن يكون صفاً لأي شيء؛ تجمهراً لأجل الرغيف أيام أزمة الخبز، ازدحاماً أمام كابينة صراف آلي، تكدساً من أجل الحصول على مشتقات البترول، أو حتى طابوراً لمعتقلين سياسيين. أخيراً تحرك الصف ببطء، وتحرك معه أ. ج. م. ، مدَّ قدميه المتيبستين، تمطى، ومضى إلى الأمام.. لكن تعابير التذمر على محيّاه جعلتنا ندرك أن الصف لم يتقدم منذ تشكله سوى بضع أمتار، ومن تكشيرة أنفه المشمئزة أدركنا نتا...
إبراهيم جعفر مكرم 1 مع أولِ بوادر المساء، حيث بدا الجو صحواً ومناسباً، سارَ الكاتبُ المرموق، صاحب التجربة الثرة والنتاج المبدع، نحو ندوة ثقافية تقام احتفاءً به، تخليداً لكونه أصبح قامة. سار نشيطاً على طول الرصيف، عَبَرَ عدة طرق فرعية، ثم لأن الوقت ما زال مبكراً على الأمسية عرج هنا وهناك تمضية للزمن. لكنه مع ذلك وصل للمركز الثقافي مبكراً، مبكراً جداً، فاضطر لأن يجلس في الحديقة الخارجية، على النجيل، بسيطاً ومتسالماً وبتواضع سخي. لم يكن الكاتب القامة في صراع كِبر مع ذاته، وإنما يحمل في دواخله على الدوام صورة متناغمة عنه، فهو أبداً لا يرى نفسه أديباً عظيماً كما يشاع، بقدر ما أنه رجل عادي وهش، وأنه على الرغم من سنواته السبعين، التي قضاها كلها في الأدب والكتابة، فإنه ما يزال في بديات بدياته، يتلمّس النور. إنها أول ندوة عنه يشارك فيها بصفته متكلماً، لقد ضغط عليه رفقاءه وتلاميذه وأجبروه لأن يوافق، واحترموا شروطه بأنها ستكون ندوة بسيطة وحميمية، دون أي بهرجة أو غلو. لقد حضر الكاتب القامة آلاف الندوات الأدبية منذ أن كان ي...
إبراهيم جعفر مُكرم 1 في تمامِ الساعة الخامسة فجراً، على الطريقِ الفرعي، صدمتْ سيارة جيب مسرعة ”الزول“ وألقته على بعد عدة ياردات من الرصيف… كان صدى الاِرتطام رهيباً، لدرجة أن الأمهات اللاتي سمعن صرير اِحتكاك الدواليب مع الإسفلت صلّين لأجل أن يحفظ الله أولادهن… للأسف، فرَّ سائق العربة حين تأكد من خلو المكان، فر بخساسة ولم يترك وراءه أثر، قال: (لو كان في عمره بقية فسيعيش !)… لكن الزول، ورغم كل شيء، عاش. وبطريقة ما استطاع أن يزحف ويموضع جسده وسط الشارع.. لم يكن يشعر بالألم إنما بالخواء. واحتاج لجهد مقدر فقط كي يعي أن ما حصل الآن حقيقة. كان جسمه الهزيل يعوم داخل بركة من الدم الأحمر القاني.. وبالكاد، سمحت له الأنفاس الخافتة المتسارعة أن يصدر همهمات اِستغاثة. وما أن خطرت بباله فكرة أنه يموت وراودته الذاكرة حتى فزع وبدت له الدنيا متمددة ولا نهائية! ظل الزول مرمياً هكذا على قارعة الشارع.. ومضى وقت طويل حتى سمع أزيز أول محرك يمر بجانبه.. كان لموتر ركشة، ترجل سائقها وطاف حول مسرح الحادث.. وسأل الجسد المكوم بلطف بالغ: (يا أخ، هل أنت بخير؟!)... ل...
تعليقات
إرسال تعليق