إبراهيم جعفر مُكرم نحن نعلم أنه مضى على انتظار أ. ج. م. في الصف ست ساعات، ونعلم أيضاً أنه كي يحصل على هذا الموقع المتقدم تطلب منه الأمر بذل جهد ضخم، فلقد استيقظ مبكراً قبل شروق الشمس، وركض مسرعاً ليحجز له مكاناً، ومن ثم تحمل بجلد حر الظهيرة الحارق. لذلك لم يكن له بأي وسيلة أن يتقهقر ويخلي مكانه.. تاركاً جل الأمر يضيع سدى. لكننا لا نعرف على وجه الدقة ماهية ذلك الصف أو إلى أين يؤدي، وبالكاد نجزم أن تاريخ الحقبة الزمانية الذي أجبر أ. ج. م. على ممارسة ذلك النشاط هو سنوات سقوط الدكتاتور. وبالتمحيص في طول الطابور البشري -الذي يبدو امتداده لا نهائياً- وجدنا أنه يمكن أن يكون صفاً لأي شيء؛ تجمهراً لأجل الرغيف أيام أزمة الخبز، ازدحاماً أمام كابينة صراف آلي، تكدساً من أجل الحصول على مشتقات البترول، أو حتى طابوراً لمعتقلين سياسيين. أخيراً تحرك الصف ببطء، وتحرك معه أ. ج. م. ، مدَّ قدميه المتيبستين، تمطى، ومضى إلى الأمام.. لكن تعابير التذمر على محيّاه جعلتنا ندرك أن الصف لم يتقدم منذ تشكله سوى بضع أمتار، ومن تكشيرة أنفه المشمئزة أدركنا نتا...
إبراهيم جعفر مكرم تقول: (هذه الأمسية حلوة!) ثم تنظر إليّ بتبلدٍ، تتخلى عيناها عن الحذر، تبرق، تطلب رداً. مباشرة أفتحُ فمي بمقدار نصف بوصة، أشرع في تحضير الكلمات المناسبة، أبحث في ركام العقل بين القواميس، أفكك وأركب، أبتزل، أنمق، بعيداً بعيداً.. لكني في الأخير لا أصل إلى إجابة، إنما إلى الخواء العريض الذي إن ما مر به هواء فسيصدر صفيراً بارداً بلا معاني.. أتنحنح حينها، أحرك لساني بسرعة، أبلل شفتيّ، أبصق، أين رحلت أيُّها الكلام اللعين؟! أنقب في الأشلاء الميتة من الذاكرة، من الحوارات المنسية المعادة، لكن مجدداً، اللا شيء يستوطنني. أصمت وأهز رأسي. هي تمد يدها لتمسد جبينها، تفعل ذلك آلياً، وحينما أنظر إليها -بقلق حاد- تجفل، تسكن، وتغيب... أغيب بدوري في منلوج داخلي، أتشعب في أزقة البلاهة؛ فما معنى أن يسألك أحدهم عن الأمسية الحلوة فتجيبه بهز رأسك. أرفض ذلك، فلابد من حضور رد محكي من الفم عبر الهواء إلى الأذن، مفهوم وواضح.. لكن، وفي كل مرة أحاول، تشرد مني الكلمات مخلّفة حرارة في الجوف، حرقة بائس...
إبراهيم جعفر مُكرم 1 في تمامِ الساعة الخامسة فجراً، على الطريقِ الفرعي، صدمتْ سيارة جيب مسرعة ”الزول“ وألقته على بعد عدة ياردات من الرصيف… كان صدى الاِرتطام رهيباً، لدرجة أن الأمهات اللاتي سمعن صرير اِحتكاك الدواليب مع الإسفلت صلّين لأجل أن يحفظ الله أولادهن… للأسف، فرَّ سائق العربة حين تأكد من خلو المكان، فر بخساسة ولم يترك وراءه أثر، قال: (لو كان في عمره بقية فسيعيش !)… لكن الزول، ورغم كل شيء، عاش. وبطريقة ما استطاع أن يزحف ويموضع جسده وسط الشارع.. لم يكن يشعر بالألم إنما بالخواء. واحتاج لجهد مقدر فقط كي يعي أن ما حصل الآن حقيقة. كان جسمه الهزيل يعوم داخل بركة من الدم الأحمر القاني.. وبالكاد، سمحت له الأنفاس الخافتة المتسارعة أن يصدر همهمات اِستغاثة. وما أن خطرت بباله فكرة أنه يموت وراودته الذاكرة حتى فزع وبدت له الدنيا متمددة ولا نهائية! ظل الزول مرمياً هكذا على قارعة الشارع.. ومضى وقت طويل حتى سمع أزيز أول محرك يمر بجانبه.. كان لموتر ركشة، ترجل سائقها وطاف حول مسرح الحادث.. وسأل الجسد المكوم بلطف بالغ: (يا أخ، هل أنت بخير؟!)... ل...
تعليقات
إرسال تعليق