عبيـد - مسرحية من فصل واحد
![]() |
| إبراهيم جعفر مُكرم |
● الشخصيات الرئيسية:
• عبيد: متظاهر سلمي في احتجاجات ضد الدولة، وهو كذلك شاهد عيان جريمة قتل السيدة "نور"... خلال كل هذه المسرحية لن يتحدث عبيد كثيراً إنما فقط سيؤدي دور حركي تعبيري درامي.
• الصوت 1: هو صوت المتحري الأول، ويبدو بشعاً وله نخنخة ونغم أنفي، يتلاحق كلامه كأنه صادر من شيطان..
• الصوت 2: هو صوت المتحري الثاني، وهو صوت هادئ جداً ومتعقل، ويحوي في نبراته خبثاً ومكراً..
الوقت ليلٌ، منزل عبيد البسيط. النصف الأيسر من المسرح فارغ تماماً، بينما يوجد في نصف الخشبة الأيمن ثلاثة كراسي خشبية متقابلة وطاولة صغيرة، ومن ثم لا شيء؛ كأننا تماماً في بروڤة أو تمرين... في الخلفية حائط بشباك واحد تطل منه لوحة لنجوم وقمر مكتمل، وبقربه تعلق بوسترات مشوهة للثورة؛ تظهر فيها نور بشكل واضح، مع رسم قلوب حمراء وكلمات غزل بالطبشور. الكراسي تُرصُّ لتواجه الجمهور بشكل مائل قليلاً، بحيث يكون كل التركيز على مقعد "عبيد"؛ حينها سيتمكن الجمهور من التدقيق في تقلبات وجهه وتململه. بينما يكون على الطاولة -والتي هي أقرب للمقعدين المجاورين- قارورة ماء نصف فارغة، علبتي سيجار، طفاية، نظارة، ومسجل...
يبدأ العرض فجأة دون توقع كأن هنالك خطأ ما، تُعزف سوناتا ضوء القمر -الحركة الثالثة، بشكل ركيك، مصحوبة بصفير عال ومزعج لمكبرات الصوت، ثم تنخفض الموسيقى تدريجياً بلا مقدمات.. وبالتزامن تقل الإضاءة لتتركز في الأخير على محل دخول عبيد، مهتزة بشكل سيء..
يدخل عبيد مرتبكاً، يطوف المكان على وقع العزف، بسرعة و بلا هدى، مصدراً فرقعة بحذائه.. ثم يجلس متقرفصاً داخل كرسيه، يهتف هتافاً ثورياً: (عاش الوطن الجميل). لكنه يخاف فجأة كأن شيئاً فظيعاً حدث، جرمٌ بشع.. يتلفت يمنة ويسرة، ينهض، يجلس، يتأكد بكوميديا من عدم وجد أحد.. يطمئن ويتنفس الصعداء. ثم ينهض مرة أخرى، يتلفت خائفاً، يركض بسرعة فيتعثر، يسقط على الأرض، يزحف بشكل هزلي مزايد فيه إلى نهاية المسرح، يحاول أن يهتف مجدداً لكنه يفشل، (عااش الوطن الجمـ...)، يرتجف، يضحك بقهقات عالية، (عاش الوط...)، يضحك مرة أخرى، وببطء يعتدل في قعدته أمام الجمهور.. يدلي ساقيه، يهزهما بقوة، ثم فجأة يبكي...
حينها يُفتح الباب بصرير ويغلق بشدة. يسمع وقع دخول أقدام لشخصين دون أن يظهرا للعيان، ظلالهما فقط هي التي تتحرك، فوراً يشرعان باصدار جلبة وركض، يهسهسان ويوشوشان ويشتم أحدهما الآخر، يتجادلان بحمية، يجلسان على الكرسيين المخصوصين لهما بحيث لا تظهر ملامح أي منهما، كأنهما شبحين.
صمت.
الصوت 1 : اللعنة، الجو حار هنا!
الصوت 2 _ يهمس بصوت خافت : عبيد!
الصوت 1 : أووووف، إنه الصيف بذاته، اللعنة على الحر.
الصوت 2 : عبيد هل تسمعني؟
الصوت 1 : وما هذه الرائحة؟!
الصوت 2 : أوووه عبيد، أرجوك هيّا، رد علي..
الصوت 1 : ربما هي رائحة الكذب والنفاق!
الصوت 2 _ بصوت أعلى : عبيـــد بربك أجبني..
الصوت 1 _ ممتعضاً : اللعنة مع من تتحدث، هل تظن حقاً بأن عبيد يسمعك؟ أنت تعرف بإنه يبكي على مدار شهور كالأطفال وبلا انقطاع، هل لك أن تتخيل؟! إنه يبكي لفراق امرأة، اترك الخراء المتعفن فلن يجيبك أبداً!
يشتد صوت نحيب عبيد
الصوت 2 : آه يا صديقي عبيد، لا عليك يا رجل، لا تبكِ، بالله عليك ارفق بروحك، إنك حقاً تتعذب وتعذبنا كلنا معك..
الصوت 1 : أوووف منك ومن جنون أمثالك الذين يخنقوننا ببلادتهم، اللعنة عليك وعلينا وعلى الناس أجمعين _ يبصق _ ألا يجب عليه أن يتخطى الأمر ويتجاوزه؟! خراء، غائط نغرق فيه.. وما هذا الحر الذي تسجن نفسك داخله؟
الصوت 2 : لا لا، لا تعقدها يا عبيد، بالله عليك.. امضِ قدماً للأمام وتشجع، هكذا هي الحياة يا صاحبي، ما الذي كان يمكن أن تفعله أكثر؟! هيّٙا يا رجل، تماسك.
الصوت 1 : أوف من الحر والسخط. انطق وخلصنا يا خراء، إنك تأخرنا بصمتك الأبله هذا!
الصوت 2 : أنت تعلم يا عبيد أننا ننتظرك، ومنذ عدة أشهر، لتكون فقط في حالة صفاء ذهني يسمح لنا بطرح الأسئلة ومعاودة سماع الإجابات.. وتعلم أيضاً بأنه يمكننا، وبكل سرور وسعة صدر، أن ننتظر عدة أشهر أخرى في سبيل أن نصل إلى الحقيقة، الحقيقة المطلقة فقط.. لكن قبل كل شيء، يجب أن تكون بخير يا عبيد، حتى لا نثقل عليك.
الصوت 1 _ متضجراً : إن الجو حار هنا ألا يوجد لديك مبرد هواء، أو على الأقل مروحة يا رجل؟! تباً دعنا ننهي ما نحن بصدده.. دعنا نستجوبك ونخلص من هذه الحماقة، هيا حرك لسانك اللعين!
الصوت 2 : عبيد أيها السيد النبيل المحترم، أنا جئت إلى هنا فقط كي أعلمك أننا نود مساعدتك، لأن من الواجب مد العون إلى الرجال النبلاء الشجعان من أمثالك، وانقاذهم من هلاك أنفسهم..
الصوت 1 : أنك تنحر نفسك اللعينة بتجاهلك للحق، انظر إليّ وستعرف ما أقصد، انظر إلي إن كان في خصيتيك باق رجولة!
الصوت 2 : أجل، لذلك فأنا أود منك أن تفكر في هدوء، فقط لأن تفكر، هي دعوة صادقة للتفكير والاسترخاء ولا لشيء آخر.. فكر جيداً في كل ما قلته لنا في الأيام الفائتة يا عبيد.. تمعن حديثك واحشد ذاكرتك واجعل بريقك يومض.. ذلك أننا نرغب مرة أخرى، في بحثنا المرهق المضني، معرفة أين تكمن الحقيقة... إننا كما تعلم نجري تحقيقاتنا السرية في قضية مقتل السيدة "نور". ولإحقاق الحق ونصرة المظلومين نحتاج أن نسمع منك أقوالك كلها، كاملة، من الألف إلى الياء، باختصار نود أن نسمع منك كل شيء، ومن ثم نطابقها مع ما توصلنا إليه من حقائق، ونقبض على الجناة وننصر المظلومين ونتركك في سلام..
الصوت 1 _ ينتهر عبيد : اللعنة، أنت كنتَ هناك على مقربة أمتار فقط منها، ولا تدري ما الذي حدث! تذكر وخلصنا يا رجل، هيا ابصق علينا كلامك اللعين، أووف... قل الصدق فقط ولا تكذب... أوووف حر وجحيم ، النافذة مفتوحة على مصرعيها ولا نسمة هواء تدخل! أي قيامة هذه التي ورطنا أنفسنا فيها؟ إنه حتى لا ينطق بحرف!
الصوت 2 : بالله عليـك يا عبيد، لقد كنت مؤهلاً لتبصر كل شيء وسط تلك الفوضى، احكِ لنا أرجوك، أعد ما قلته بالأمس وأول أمس، ولتدقق كلامك أكثر وتضبطه، قل لنا كل شيء بالتفصيل الممل، ولا تتجاهل أي حدث مهما كان تافهاً، هيا فكر في ما حدث بالمنطق، بعقلك الرزين، ونحن هنا كلنا آذان صاغية إليك!
الصوت 1 : بلى... ربما أنت أخطأت بشأن أشياء وتناسيتها أيها أحمق، لعلك فعلت ذلك عمداً أو لعل ذلك بسبب التشويش والاضطراب والخوف، وهذا حقاً هو العار الحقيقي أيها الجبان، أن تخاف وتبلل ملابسك! وها أنا ذا أحذرك، سامحني على صراحتي، أنك ستتحمل عواقب ما تقوله وحدك، واذهب إلى الجحيم أيها المنافق _ يبصق _ أوووف أنت بالفعل تعيش في الجحيم، جحيم مقدس ونافذة مشرعة على جهنم!
الصوت 2 : أتدري يا عبيد أننا هنا ﻷجلك، وسأظل أردد هذه الجملة حتى يزول ارتباكك _ يصمت _ نحن هنا لأجلك، ودائماً لأجلك. إذن لا داع للخوف والقلق، وها أنا الآن أعدك بأننا سنظل إلى جانبك، دائماً وأبداً، ومتى ما احتجت إلى شيء ستجدنا أول من يمد لك العون. بالطبع إننا سننظر في ادعائك بكثب، ونقارنه ضد الأقوال الرسمية التي أتت بها إلينا الجهات العليا، لكننا سنأخذ في عين الاعتبار أنك كنت في موقع يسمح لك بالرؤية الأفضل.. لكن أيضاً دعني أطلعك على شيء، وهذا بالتحديد هو السبب في أن يجعلنا نعاود استجوابك، مراراً وتكراراً، وهو أنك الشخص الوحيد من ضمن كل شهود العيان الذي بدت أقواله، كيف أقول لك ذلك؟! ركيكة!
الصوت 1 مندهشاً بصوت حاد : هه ركيكة!!! إنها مغلوطة بالكامل، دجال أشر، لا شيء صحيح في كل ما قاله، أنت لابد وأن تدقق الآن وتراجع أقوالك الخراء، فمئة وأربعة عشر متظاهر أقروا بأن الطلقات جاءت من جهة أخرى.. أيها الجبان الخصي، قل الحق وإلا...!
الصوت 2 : نعم، هذا صحيح، الطلقات جاءت من الخلف، ليس ثمة شك.. لكن لماذا تصر على رأيك يا عبيد، لماذا تصر على أن تحشر رأسك وحيداً في الرمل وتتجاهل الحقائق البينة، أنت بهذا لا تساعد أحداً على الإطلاق، ولا حتى السيدة نور الميتة يرحمها الله. بالله عليك دعنا نمد أيدينا للمرحومة ونقف إلى جانبها.. دعنا يا عبيد نجعلك ترى ضوء الحقيقة بكل يسر وتتلمسه.. الأمر ليس صعباً كما تظن، أنت فقط تحتاج لأن تفكر بعقلك وتتذكر بقلبك... تحتاج لأحد يدفعك عدة خطوات نحو ضوء الحقيقة الواضح، نحو نور، ويا للأسف لو أنك تركت عقلك حبيس الظلام وتجاهلت كل هذه القرائن.. أتظن حقاً أن الأعيرة النارية كانت من عندنا؟!
الصوت 1 : وما كل هذه الرطوبة، الفرن يغلي وعقلي بالتأكيد سينفجر، إنني لو كنت بيضة لسلقت.. هيا يا رجل دعنا ننهي الأمر ونخلص، أصدقنا القول يا عبيد ولو لمرة واحدة على الأقل، لمرة واحدة في حياتك، هيا كن أنت، تشجع وانفخ رئتيك كرجل!
الصوت 2 : أوه، نحن نعرف كم أن السيدة المتوفاة نور عزيزة على قلبك، وأنك بطريقة ما، إن جاز لي التعبير، تحبها حباً...
الصوت 1 : ياللرومانسية المغلية بالحر!
الصوت 2 : في الحقيقة كلنا في يوم ما أحببناها، كلنا رجال ونعرف أي أنثى كانت هي، هييه، عليها ما تستحق من رحمة.. وأنت بالذات تدرك فتنتها، حقاً أي امرأة لبقة كانت! لكن هذه هي طبيعة الحياة يا عبيد، ما إن يكون هنالك شيء يستحق النظر إليه، بووووم، يختفي من بين يديك في الفراغ إلى الأبد!
الصوت 1 : يا له من عار، أتحب تلك الداعرة؟! أنا لا أفهم ما الذي يعجبك في المومس العجفاء، الهيكل العظمي المدنس، انظر كيف يطالبوننا بأن نسميها الشهيدة الآن.. شهيدة قال، ها ها ها، شهيدة الدعارة ربما، ها ها هاه ، شهيدة دعارتنا المبجلة، ها ها ها، لترحمها المواخير والأنخاب!
الصوت 2 : صديقي عبيد أنت لم تكن يوماً على مر سنوات عمرك برجل سياسة أو طالب منصب، وعبر التحري الدقيق عنك اتضح لنا جلياً أن سجلك لا يتضمن أي نشاط حزبي أو مؤسسي، أو حتى نشاطات أخرى غير سوية... كما أن الدلائل أشارت بأنك شاركت في الاحتجاجات الأخيرة فقط ﻷن المرحومة "نور" دعت كل مناصريها إلى ذلك... أنت يا عبيد رجل نظيف وظريف، لذلك فكر وتدبر الأشياء على حقيقتها، وها أنا أدعوك مجدداً لأن تفكر، وصية من أخ لأخ، صاحب لصاحب، تعقل!
الصوت 1 _ بضجر _ : تلك المومس العجفاء. انظر إليّٙ هنا يا عبيد ودعني أوضح لك الأمر، العاهرة نور التي رفعت ساقيها لكل العالم ذهبت إلى جحيم جهنم وتفحمت، وهذا أمر مفروق منه. خلصنا، انتهى، GAME-OVER! هي إلى نار جهنم وأنا عالق هنا في هذا الجحيم، أوووووف..!
الصوت 2 : ليرحمها الله، أنا أؤكد لك يا عبيد أن هذا هو حقك الذي يكفله لك القانون، قانون دولتنا المحترم، يكفل لك أن تشارك في المظاهرات ﻷجل أن تقف بقرب امرأة تحبها، وأن تناضل لأجلها، فلكل مواطن في هذه الدولة النزيهة الحق في التظاهر في سبيل ما يراه أنسب للوطن، حتى لو كان ذلك امراة فاتنة.. دعني أخبرك بأنني أيضاً كنت سأفعل ذات الشيء لو كنت مكانك.
الصوت 1 : هه، كل الأوغاد سيفعلون، الجبناء الشواذ المستلوطون..
الصوت 2 : لكنك رجل مختلف.
الصوت 1 : أتعلم ما الذي أريد أن أقوله، وأرجوك أن تعذرني يا أيها السيد المحترم على هذا الأسلوب الفج، أنا أقول بأن نور كانت امرأة داعرة لا تليق برجل قدرك!
الصوت 2 : عبيد، عليَّ أن أوضح لك أمراً آخراً لكي تكون على دراية، وهو أن السيدة نور دعتكم للخروج في إبريل وراء ستارة التظاهر السلمي... لكنك للأسف لم تكن تعرف أبداً بأنها خدعتكم!
الصوت 1 : يا للقرف، تراه ما هو السبب الذي يدعو إلى الخروج وراء أرداف امرأة ضامرة، أي عار هذا! ألا تعلمون إن الدولة في حدود طاقتها ومواردها المتاحة وفرت ﻷفواهكم النهمة كل شيء، حتى الخبز .. تخيل!
الصوت 2 : لكنكم خرجتم، وهذا ليس عيباً معاذ الله... الدولة تريد من شعبها أن يُعبر عن نفسه، وأن يحتج ويقول لها لا، طفح الكيل، نريد الرفاهية، نريد أن نأكل الهوت دوق بدلاً عن الكسرة، حتى تعرف الدولة مكامن القصور وتعمل على التغير للأفضل... لكنه التوقيت يا عبيد، توقيتكم هو الذي كان خاطئاً، تمردتم في ساعة كان يتوجب علينا كلنا أن نظل فيها متكاتفين، أسابيع صعبة، نأخذ ونشد من أزر بعضنا البعض، ونتماسك للخروج من المحنة.. لنحافظ على لقمة العيش تلك!
الصوت 1 : أجل إنكم كلاب ملاعين، مجرد جرذان مستلاطة، كلكم بلا استثناء، تعضون كالضباع اليد التي مُدّت لكم، تصفعون الكف الطيبة المحملة بالنعمة، تنهشونها نهشاً، وفوق ذلك من أجل ماذا؟ أرداف ومؤخرات؟ اللعنة عليكم..!
الصوت 2 : الناس ركبت الموجة، لعبوا بعقولكم مع السواعد الخارجية الأجنبية، الأيادي السوداء العميلة، الموساد، تنظيمات ماسونية شيطانية، المخابرات والجواسيس... ومن خلال الإعلام المفبرك استغلوكم لتمرير الأجندة.. أنتم لم تكونوا سوى دمى تأدون أدواراً لا تعرفون أصلها.
الصوت 1 : لو تعرف كيف كان الضغط على الحكومة كبيراً وغير محتمل.. الخراء، بل العالم بأسره، أرادنا أن نركع.. أتظن بأننا سننهار، أكنت تحسب ذلك يا جرذ؟!
الصوت 2 : أنت بالذات ما كان عليك أن تتظاهر ﻷنك رجل عاقل بإمكانه التميز بين الغث والطيب.. إن الأمر أشبه بمسرحية رخيصة جداً، لقد كنتم كبش فداء إبراهيمي، ولم تكن احتجاجاتكم باختصار سوى أعمال تخريب للدولة الآمنة...
الصوت 1 : أجل، لقد كانت موجة منظمة من الشغب الموجّه، أحرقتم دون وعي كل مراكز الوقود والكهرباء ومحطات المواصلات وباصات النقل، أشعلتم النيران في دور الحزب والمنشآت وأقسام الشرطة، أغلقتم الطرقات والكباري وخنقتم الحياة العفيفة، قتلتم الأبرياء ونهبتم الأموال... لقد ضبط رجال الشرطة والأمن مئات العشرات من الأسلحة والذخائر والملتوف، الآلاف من المأجورين من مرتادي السجون، لقد كان ذلك بالفعل عملاً فجّاً قصد منه البلبلة ولا شيء سواه.. إنكم خراء.
الصوت 2 : ألم تشاهد بأم عينيك؟! ثم ماذا، لك أن تصدق بأنهم قالوا بأننا نحن من كان يحاول جر الثورة عن سلميتها.. هل تتخيل ذلك!
الصوت 1 _ يضحك : ذلك فجور، إنهم كمثل الطفل الذي يضرب أولاً ثم يبكي ويشتكي! وبعد كل هذا تريد منا أن نظل مكتوفي الأيدي، ها ها ها ، بالطبع لا، من تحسبنا، بهائم؟! قضينا عليهم .. كل الفئران!
الصوت 2 : لكن وفق القانون بالطبع، لقد استخدمنا الحد الأدنى من القوة لردع العنف، الحد المتعارف عليه في مثل هذه الظروف الاستثنائية. الشرطة في الأصل نزلت إلى الطرقات لحماية الناس، لحمايتكم أنتم من أنفسكم، هذا هو واجبها الذي أقسمت على أن تؤديه. المحافظة على سلمية احتجاجاتكم. أكاد أجزم أنهم لم يستخدموا سوى الهاراوات والغاز المسيل للدموع.. وحتى البنادق والمسدسات التي حملوها كانت محشوة فقط بالطلقات المطاطية الفارغة.. إن التعليمات كانت واضحة وضوح الشمس؛ لا اشتباكات، لا رصاص، لا موت...
الصوت 1 : هذا مخجل، لو رأيت كيف تم سحل أفراد الشرطة الأبطال على الطرقات وامتهانهم، لم تكن عصيهم ذات نفع أمام أسلحة العصابات والملتوف، قنابل الغاز ذات التركيز المخفف وخراطيم المياه لم تصلح حتى لتفريق تجمع نمل، وقنابل الصوت تلك، هه الخراء بذاته، ومع ذلك صمدوا ولم يخالفوا أي بند من التعليمات.. إنهم هم الأبطال الحقيقيون الذين يجب أن نصفق لهم ونبجلهم برفع القبعات تحية، لا أنتم _ يصفق بشكل حماسي.
الصوت 2 : كانت تلك لحظات عصيبة، ما زلت أذكر كيف أننا استجوبنا مئات المتهمين دون أن ننام أو نستريح.. لأسابيع طويلة بحثنا عن الحقيقة، شهور مرت ونحن ننحت الصخر بأظافرنا، نقبنا وسط بلايين الأقوال والاعترافات، الشهود والسجلات والملفات والصور، لا لشيء سوى الحقيقة.
الصوت 1 : الملعونون المأجورون اعترفوا بأنهم تلقوا تدريبات خاصة في دول مجاورة لإثارة الفوضى، معسكرات خاصة للعصابات، ووضحوا لنا كيف تم التخطيط لكل شيء على مر سنتين وتهيئة الوضع لانجاح الثورة المزعومة وهدم المشروع الحضاري.. وكيف أن مجلس الأمن العالمي فرض علينا عقوباته القذرة واستهدف الاقتصاد، لقد جعلونا تماماً كقدر ماء يغلي ثم وضعوا علينا غطاءً محكماً.. هاكم انفجروا ووقتوا من شهر إبريل اللعين ليكون ترايخاً لانفجار غلياننا .. اللعنة على تلكم الأيام!
الصوت 2 : انظر يا عبيد لكل ما حدث، تدبره بعقلك وستجد أن المواطن هو الخاسر الأكبر والوحيد، تأمل لهم بلا استثناء، كلهم، حتى نور يا صاح، لو تعمقتَ ستكتشف أنها أيضاً كانت ضحية، ضحية مثلك ومثلي ومثلهم، مجرد ورقة لعبت لمرحلة معينة وتم نسفها... رموها كما رموا غيرها..
الصوت 1 : بوووووم، تماماً، كلامها المعسول وتمايل خصرها، أسرت ملايين القلوب العفنة.. وما إن قالت هيا نخرج، بغنجها ذاك، وهزها وسطها الناحل حتى آلمتكم خصيكم وخرجتم... أليس هكذا جرا الأمر؟!
ينهض عبيد مضطرباً ، ماسكاً رأسه _ ترتفع الموسيقى...
الصوت 1 يلح : ها ها ها، عبيد أجبني، أليس ذلك صحيحاً، ألم تخرج ﻷجل ذلك فقط، هل أخطأت أنا في شيء!
يدور عبيد على المسرح ، يتهاوى مع العزف الصاخب والأضاءة المتذبذبة .. يجلس بلا حول على الكرسي.
الصوت 1 : بالطبع هو كذلك، بل مؤكد بأنه كذلك، اللعنة أي عار سيحمله اسمك بعد اليوم.
الصوت 2 : نحن كنا نراقبك منذ سنوات طويلة في الحقيقة.. واتضح لنا أنك فقط تحبها، وبأسلوبك الخاص؛ ففي بيتك جميع الحوائط تقريبا مليئة ببوسترات نور وهي ترفع إصبعيها شارة النصر أو وهي ترتدي البرتقالي وتحمل يافطة كتب عليها "قرفنا"، انظر حولك، انظر لكل هذه الجدران... حتى دفاتر يومياتك يا عبيد، كلها أشعار لنور.. تودد في نور، وعشق من نوع أخرق ..
عبيد ينهض مرة أخرى ويركض نحو النافذة، ينزلق راقصاً بسلاسة نحو البوسترات، يهتف وهو يلتصق على الحائط.
هتاف:
(نووورة.. يا وردة قلبي الثمل،
يا زهرة الأيام،
ونوارة الأحلام..
يا صدى الصلوات والترانيم،
يا منشودتي الأخيرة..
أراك..!)
الصوت 2 : ومع ذلك أنت لم تلتقِ بنور مباشرة... كنا نجد اسمك مسجلاً في الندوات وأركان النقاش بشكل دوري، لكن فقط في تلك التي تحاضر فيها نور.. رصدتك عيوننا السرية وأنت تجلس في آخر مقعد غير آبه بما يدور من حولك، كأنك جاسوس تعمل لجهة ما، نظراتك لا تمل تنصب عليها دون أن تقربها... إنك وفي وقت وجيز، استطعت أن تحفظ جميع خطاباتها وحججها، طريقة كلامها وحركات يديها، ابتسامة شفتيها وغمزات مقلتيها... وكل غدواتها وروحاتها مقيدة عندك.. لكنك مع هذا لم تجرؤ يوماً على أن تقف وتكلمها وجهاً لوجه، عشقتها من بعيد فقط، كعشق اليعسوبات للقمر!
الصوت 1 _ يضحك : حب من جانب واحد، يا لعهر الفاجرة!
الصوت 2 : لكنك بدلاً عن أن تذهب وتفضح حبك كنت ترسل إليها الرسائل، عشرات الرسائل، غراميات لا تنتهي، هل تعرف أننا في البدء شكننا في أنها شيفرة..
الصوت 1 : كلام فارغ، وعود مراهقين بالمضي حتى الهلاك، قُبلات مطبوعة على الورق الأحمر ومرفقة مع زهور، يا للعهر.. هل تعلم بأن نور كانت ترميها حتى قبل أن تقرأها، هه كم أنت مسكين، نور كانت تظن بأننا نحن من يريد الإيقاع بها، ولا تعرف أن الآلاف يتعذبون من رمشها الماجن الحقير.. هه انظر _ يلقي عشرات الرسائل والزهور.
تتناثر الأوراق على عبيد فيبدو عليه الوله، يرقص أولاً على وقع الموسيقى ثم ما يلبث أن يحتضن ملصقاً انتزعه من الحائط، بعدها يجلس بتؤدة فوق الكرسي.. وعندما ينخفض صوت الموسيقى ويختفي وقع الطبول، يبكي.
الصوت 2 : استرخ يا عبيد ولا ترهق نفسك المعذبة، خذ تناول بعض الماء وبلل حلقك..
عبيد يأخذ قارورة الماء ويقلبها بين يديه دون أن يشرب_ يواصل النحيب...
الصوت 1 : أنتم يا مدعي النضال، النشطاء الداعرون، أين كنتم حين كان الوطن في حاجة ماسة لكم، حين كان الوطن يتعفن عند أرجل العملاء والخونة؟! آه نسيت، لم تنزلوا بعد من أرحام أمهاتكم المتحجرة !
الصوت 2 : حين دعت "نور" لقيام الثورة لم يصدق أحد أن بإمكان امرأة عزباء واحدة جعل ذلك حقيقة، لكنه حدث، وفجأة انفجرت ثورة، خرج الناس من كل مكان لا ليحتجوا على غلاء المعيشة، بل ليثبتوا أنهم يستطيعون الخروج.. !
الصوت 1 : موضة، تخيل، ثورة موضة، وإثبات فحولة... وأنت أيها الفأر خرجت في السابعة صباحاً وست عشرة دقيقة من منزلك، مبكراً على غير العادة، وسلكت الطريق الطويل المؤدي إلى الميدان على قدميك..
الصوت 2 : كل من شاهدك صبيحة ذلك اليوم قال بأنك كنت متأنقاً بشكل مزايد فيه، ترتدي.. دعني أرى _يقلب ورق ما بين يديه_ قميصاً أزرقاً سادة، إكس لارج، بكم طويل ومنديل وردي في الجيب، ومعه بنطال جينز أسود باهت، وحذاء مقلد ماركة "برادا" مقاس 44 صنع في الصين الشعبية، وجوارب قطنية سوداء، بثقب عند الإصبع الكبير .. وجذّبت أيضاً لحيتك فبدوت شاباً في مقتبل العمر!
الصوت 1 : بربك يا هل كنت خارجاً إلى حفلة رقص؟!
الصوت 2 : عندما وصلت إلى الميدان، كان الجو صحواً واحتفالياً، وكان هنالك الآلاف من الناس الذين سبقوك يغنون أهازيج الفرح وهتافات السلمية وشعارات الوطن، مكبرات الصوت كانت في كل زاوية، الأغاني القديمة جعلت الناس تبكي من شدة الانفعال والحماسة، أنشدوا الأشعار وهتفوا بأعلى ما لديهم من صوت... لكن كل هذا لم يكن يعنيك!
الصوت 1 : أنت كنت تبحث عن مؤخرة العاهرة، لمدة نصف ساعة، ظللت تفتش عن الموممس الشمطاء إلى أن دلوك بأنها تقف في مواجهة رجال شرطتنا الشجعان الذين طوقوا مداخل الميدان، لحمايتكم يا أنصاف الخصاء..
الصوت 2 : لا تظن بأنها وقفت هناك لأنها شُجاعة، لا.. فهي تعرف مسبقاً من خلال المعلومات المسربة إليها بأن الأمر سينتهي على ما يرام، فالحكومة وافقت تحت الضغط الهائل لأن تجعل المحتجين يصيحون بحرية؛ دام أنه مجرد صياح، وسمحت لبعض القنوات التلفزيونية ومحطات الراديو والانترنت أن تقوم بنقل المظاهرة بشروط دقيقة وحذرة، لتلميع الصورة المشوهة... كل شيء كان تحت السيطرة ومطبوخ على نار هادئة ومخطط له بإحكام...
الصوت 1 : حسناً، إن هذا مهم يا عبيد من أجل مصداقية الأقوال، أنت أعترفت لنا سابقاً أنك حينما وقفتَ بجانب نور ارتبكتَ، وظهر جلياً للجميع اضطرابك... فلقد كانت تلك هي المرة الأولى التي يتاح لأنفك فيها شم عطرها الشيطاني.
الصوت 2 : لابد وأنك أحسست بالبلادة، هذا أمر عادي ومتوقع، من ذا الذي لا يحس بالبلادة بقربها، الرئيس نفسه إذا وقف بقربها سيغيب عقله وسط الأحلام! إن كل السنوات التي أمضيتها في حب نور، كل الليالي التي همت فيها مع صورها وقطعت الفيافي.. ظهرت لك الآن ساذجة وفي غاية السخف مع ما هو ماثل أمامك، مع الفتنة الكاملة للجمال، سحرتك نور يا عبيد، سحرتك وجعلتك في عِداد المجاذيب..
الصوت 1 : أيها الخروف ظللت متسمراً أمام نور كعود إنارة بلا نفع، خارج نطاق التغطية تماماً، ولم تنتبه لأن الناس قد بدأوا يتغامزون بشأنك.
الصوت 2 : لعل نور، لفرط ما هي جميلة معتادة على مثل هكذا مواقف.. أو لعلها الحماسة.. حين لم تعترض على فجاجتك، ابتسمت ووقفت بجانبك كأنك صديق قديم، معرفة طويلة، وبلا مقدمات شابكتْ هي كفكَ الخشن المتعرق بين أصابعها الناعمة، اتكأتْ رأسها على كتفكَ العريض، وهتفتْ "يحيى الوطن ، ونموت نحن"!
الصوت 1 : هذا ما اسميه أنا عهراً علني.. خلاعة وفسق.. خروف يناطح نعجة !
الصوت 2 : وأنت الآخر هتفت، بصوتك رهيب فبدا ﻷول وهلة بأنه كجوغة حرب لا رادع لها.. تماما كثوري جامح لا يلين.. وحين ضغطتْ نور على كفك، غبت في العالم الآخر، أقول بأنك غبت في مظاهرة ما ورائية غير محسوسة، مع الأشجار والأنهار والطيور، مع الملائكة والأطياف... حلقتما فعلا كثنائي خالد ، والتفَّ من حولكم الناس، و ...
إنشاد :
(يا فقراء الأمس،
ومساكين اليوم،
ومعدومي الغد،
يا من لأجلهم تشتعل الثورة وتستمر،
أخرجوا وأعلنوا الكرامة)
(يا عشاق العصافير،
احيكوا من أشعاركم ريشاً ملوناً،
ومن أحلامكم أجنحةً تسد الأفق..
وحلقوا أحراراً في سماء الله)
(يا سحب الحرية،
أمطري علينا أهازيجك الصاخبة،
لنغتسل من دكتاتوريتنا،
ولنتطهر)
(يا حراث الأرض،
عمروا تربتها بالمحبة،
ازرعوها بنبضات القلوب،
واحصدوا منها فقط ما يسد الجوع،
واتركوا الباقي للذكرى)
(يا نوووووورة،
يا قمراً له أنفاس حورية..
أجراس أشواق وذكرى،
تعالي للفرح والنيل..!)
يسترخي عبيد ، يرفع قدميه على الطاولة، ويأرجح الكرسي كأنه يتذكر..
الصوت 2 : لكن الأشياء الحلوة عادة لا تكتمل _يزيد عبيد من أرجحة الكرسي_ فجأة اتقد شغبٌ والله يعلم من أين...
الصوت 1 : التحقيقات أوضحت أن كل شيء دبر من قبل المارقين أعداء الوطن، حاولوا زلّ الشرطة والاصطدام معها بالحجارة، وحينما لم يجدوا استجابة استخدموا الملتوف... وشرعوا في إطلاق نار عشوائي واعتداءات ممنهجة..
الصوت 2 : يا للأسف!
الصوت 1 : على الشرطة أن تدافع عن نفسها وعنكم يا خراء، ردت باستخدام الغاز والقنابل الصوتية، وحين تأزم الوضع اجتاحوا الميدان بالمدرعات..
الصوت 2 : في لحظةٍ اشتعل الميدان، ماء يغلي في قدر مغلق الغطاء، ولم يكن عندكم فكرة، أنت ونور، عن كيفية التصرف في مثل هذه المواقف، إنها مظاهرتك الأولى يا عبيد.. ونور المسكينة تشبثت بك أكثر، واستعصمت.. وأنت، وفي غمرة جنونك ذاك ، اختنقت "بالبونبان"...
الصوت 1 : الخصي الجبان، لا يصلح حتى لتخصيب نعجة... وفوق ذلك مصاب بالربو.
يدخل عبيد في نوبة سعال.
الصوت 2 : وحتى لو كان عندك خبرة، واستخدمت قطع القماش المبللة بالخل، كان الربو سيتكفل بك.
يشتد سعال عبيد. يختنق..
الصوت 1 : هذا مثير للتساؤل، أنت رجل مصاب بالربو الشعبي، وما أمامك سوى أن تتهاوى وتسقط صريعاً كجرذ..
الصوت 2 : مؤلم أن الجموع الهائجة فرقت بينك وبين نور وألقتك أرضاً بلا حيلة، أن ترى نور وهي تمد يدها وأنت عاجز لشيء في غاية الأسى... لقد أرادت أن تناديك، أن تنده عليك باسمك لكنها لا تعرفك، بعض الناس سمعوها تقول بصوت عالٍ "انهض يا رفيقي، قم لنناضل.. دعنا نكافح لأجل هذه الأرض، لأجل الحب".
الصوت 1 : هنا تماماً في هذا الخراء، في الثانية التي صاحت فيها الداعرة لك ولوطنها الزائف، في الساعة الرابعة وخمس وأربعين دقيقة، أصيبت في رأسها بطلق ناري واراحتنا..!
يصارع عبيد ليأخذ نفساً.. يتناول بخاخ الأزمة من جيبه_ يبخه ويتعاطى شهقة عميقة..
الصوت 1 : رحلت الصعلوقة، وتركتنا هنا ندقق في أقوالك أنت يا ابن الكلب.
الصوت 2 : عبيد، أنت تتهمنا زوراً عندما تقول بأن قناصاً ما، من رجالات الشرطة، هو من أرداها قتيلة..!
الصوت 1 : تبا لك ولنفاقك، بشرفي لم يكن هنالك قناصة، إن الصدمة جعلتك تتهيأ الأمور.. مئة وأربعة عشر متظاهر أقروا بذلك، والتقارير تثبت..!
الصوت 2 : حسناً، الكل يعرف بأن نظرك سيءٌ يا عبيد، أنت تزعم بأن نور سقطت بجوارك على بعد مترين، هذا ليس صحيحاً، لقد كانت ستة أمتار ونصف...
الصوت 1 : أنت خروف مخصي وأعمى ونافق ومختنق بالغاز، نعم، أنا بنفسي تحققت من ذلك، قمنا بتمثيل مسرح الجريمة وكان يفصلك عنها ستمائة وخمسين سنتمتراً، وما يفسر أن الأمور التبست عليك هو عدسات نظارتك الخراء...
الصوت 2 : انظر إليها _عبيد يحمل النظارة ويتأملها_ مكسورة ومهشمة، إنها لا تسمح لك برؤية شيء ..
عبيد يرتدي النظارة، ينهض بسرعة من على الكرسي محاولاً اثبات العكس، يمد يديه إلى الأمام ويتعثر بالمنضدة..
الصوت 1 : هه، أنت بالكاد ترى يا خصي..
الصوت 2 : أضف إلى ذلك غاز "البونبان".. نحن اطلعنا على تقريرك الطبي، لقد كانت عيناك ملتهبتين ومتورمتين.. وفي اعتقادي أنهما كانتا ممتلئتين بالدموع.. وأنهما عندما آلمتاك استخدمت يديك وحككتهما.. وذا عقد الوضع. لقد كنت كمن يصب الزيت على النار.. فكيف لك أن ترى وتتيقن بكل هذه الثقة من الطريقة التي ماتت بها نور!
الصوت 1 : التقرير الطبي اللعين قال بأنك ربما قد فقدت الوعي لثانيتين أو ثلاث، بسبب الربو الشعبي، مما يجعلنا غير قادرين على استبعاد أقوالك... لكن ذلك لن ينفي مطلقاً التهيؤات...
الصوت 2 : إنه الربو، وأي رجل آخر عداك، كان ليختنق ويموت.. أنت صمدت ببسالة وحاربت من أجل امرأة تحبها، وظللت حيّاً رغم كل المحن التي جابهتك... لكن لنستمع مجددا ﻷقوالك..
الصوت 1 آمراً : شغل المسجل أيها الجرذ...
عبيد يمد يده إلى الطاولة ليضغط على زر تشغيل المسجل ، فيخرج منه صوت متقطع وغير واضح :
(السابع من أبريل، الساعة العاشرة صباحاً، مشفى الطوارئ، الأقوال الأولية للشاهد رقم خمسة وستين، المدعو "عبيد"..
يخرج صوت مسجل لعبيد وهو مضطرب ومتقطع الأنفاس ، مع سعال بين الفواصل :
... نعم أقول بأنني رأيتها بأم عيني... كانت واقفة كشجرة كستناء خالدة، ثم، ثم، ثم.. طاخ طاخ طاخ، تطاير ورقها... أقسم لكم لقد كان هنالك قناصة، عدة قناصة، وأحدهم بالتحديد هو من صوب سلاحه إلى ما بين حاجبيها... نعم بإمكاني أن أتعرف عليه، إنه رجل أسمر وقصير...) ينقطع الكلام .
الصوت 1 _يضحك بشخير : لابد وأنك كنت تحلم، أرأيت كيف أنك غير متزن.. هه، رجل أسمر، هه، وفوق ذلك قصير.. ما ينقصنا هو أن تحدد إن كان له شنب!
عبيد يعيد تشغيل المسجل مرة أخرى_ لكن بصوت منخفض ، مقرباً إياه من أذنه ..
الصوت 2 : لحظة يا صاحبي، أنت في هذا الشريط تؤكد لنا بأنك سمعت ثلاث طلقات، طاخ طاخ طاخ... وهذا غير ممكن، إن عدد الطلقات في اللحظة التي ماتت فيها نور كان واحدة وفقط.. وتقرير الطبيب الشرعي الذي شرح الجثة أكد أن الرصاصة التي اخترقت رأس نور كانت قادمة من الجهة الخلفية، وراء أذنها اليسرى وليس من بين عينيها كما تزعم... وأكد ذلك كل الشهود..
الصوت 1 : أقول لك إن الذي أطلق الرصاصة لابد وأنه رجل محترف له ثلاث خصاء، مدرب أكثر بكثير من رجل شرطة، لقد استخدم عياراً من النوع المتفجر، بطريقة لا يمكن معها إثبات شيء عبر التحقيقات... لكن يا عبيد، أتمانع لو أن أدخن أمامك سيجارة، سيجارة واحدة؟!
يقترب من عبيد ، يشعل سيجارة من الصناديق فوق الطاولة وينفث دخانها أمام عبيد ، فينفعل عبيد ويخطف علبتي السجار باهتياج ، يلقيها بعيدا ، يسعل بشكل جنوني ، يستعين بالبخاخة !
الصوت 1 : الربو أيها الخراء؟!
الصوت 2 : مازلت أتساءل كيف لإنسان يختنق بالدخان، وعلى مشارف الموت، ونظره حاسر، أن يجزم بأن من أطلق الرصاصة رجل قصير وأسمر..!
الصوت 1 : اللعنة على القاضي، نعم نحن نعيش في دولة قانون مدني غائطي، وهذا من فضل الدولة عليكم، الدولة التي تحاربها، لذلك قدم لك التحري صور كل أفراد الأمن والشرطة الذين شاركوا في فض الميدان، وأنت ببساطة أشرت لواحد منهم بأنه القاتل، أليست هذه في حد ذاتها جريمة..!
الصوت 2 : أتعلم من كان ذلك الإنسان الذي اتهمته زوراً دون أن مراعاة لأي شيء؟! إنه رجل مسكين، رجل شرطة صادق ومخلص.
الصوت 1 : أشجع أسد عرفته، ليتك بنصف رجولته أيها المخصي المستلاط.
الصوت 2 : إنه بريء، وأيضاً دعني أوضح لك، مهم جداً، لو سقط ستنهار خلفه اسماء، وبمجرد ظهور اسمه في التحقيقات ستُكشف أسرار..
الصوت 1 : أتقبل أنت أيها المخصي بتوجيه تهمة لإنسان على الظن فقط، داعر!
الصوت 2 : عبيد نحن هنا لمصلحتك، إنك رجل شاب وعازب والحياة أمامك، ومن التقارير أمامي أدرك بأن لك أسرة ترعاها، أب مريض وجدة على مشارف الانقراض، أتعلم ما الذي ستجنيه إن واصلت في عنادك..؟!
الصوت 1 : أمممم، ستوجه لك تهمة تضليل العدالة ، تسجن لادعائك الكاذب وتتعفن خلف القضبان، وربما، هذا ليس تهديداً ، ربما تحاصر بالدخان ويمنع عنك دواءك..
الصوت 2 : سترفع ضدك قضية إشانة سمعة، وسيفند أي قاضي أقوالك ويرميها في أقرب مزبلة، ولن تجد حينها أحداً يقف بجانبك، لن تجدنا، سيرمونك كما رموا نور...
الصوت 1 : نور؟! ماتت وشبعت موت، لكن المرأة التي تعجب خصاكم هذه.. سنكرمها؛ وسنسمي شارعاً باسمها .. ههها.
الصوت 2 : شارع "الشهيدة نور" ، طريق كبير مسفلت يصل بين تقاطعي الحرية والكرامة، لكن يجب قبل هذا أن تكون أنت ذكياً وتخلد ذكراها..
الصوت 1 : الأمر لا يحتاج إلى عناء، تذكر فقط أباك المريض المهمل... هع هع هع.
الصوت 2 : فكر ..
الصوت 1 : فكر جيدا في عائلتك التي تنتظرك..
تتداخل الأصوات، أصوات سيدات وأطفال مع الجوغة، كأنها صوت تفكير داخلي لعبيد، الذي يتهاوى ببطء أمام الجمهور ، يتداعى في مشهد ختامي :
فكر _ فكر _ هع هع_ فكر في نور _ فكر _ الشهيدة _ عبيد فكر في ..._ فكر _ لم ترَ شيئاً_ أبوك؟ _ إنك عازب وأعمى _ فكر في .._ في .. في.. _ فكر يا عبيد .. أقوالك مغلوطة _ ف..ك..ر _ إنك لا تحبها _ ستسجن و"تموت"!
فكر!
يسدل الستار مع صرخة عبيد !
.jpeg)
تعليقات
إرسال تعليق