المشاركات

القَصيدة الأخيرة لحسن لطافة

صورة
إبراهيم جعفر مُكرم       فَزِعتْ الخالة الكبيرة، أقدم سيِّدة عرقي في شارع المصانع، والمشْهود لها من قبل الجُوكِيّة بعمل أجود مشروب كحولي في كل المنطقة الغربية.. حين اكتشفتْ أن الفتى، حَسَن لطَافة، مازال واقفاً أمام الإنداية رغم حر الظهيرة. كانت قد طردتْه في الصباح، كما فعلت على مدار الأيام الثلاثين الأخيرة، مشددة عليه أنها إن رأته هنا مجدداً فستقتله وتعلق رأسه كتميمة. لكن حسن لطافة، الغارق تماماً في النشوة، والممسوس بالخدر اللذيذ للحب والخطيئة، واظبَ على طرق الباب، وسؤالها ذات الطلب المعجز: ( تعرسيني ؟)      في البداية ظنت الخالة الكبيرة أنها لَوْثَة عابرة بفعل العرقي، ضحكتْ على المزحة وسايرتها، فليس هذا أول طلب زواج تتلقاه، لكنها اكتشفتْ أن الفتى النحيل -الذي يمكن أن يكون بعمر أحفادها- جادٌ في أمره ومصر على ما يقول، فاضطرتْ للجلوس معه وسماع حديثه، ولم ترَ عليه أثر خبل أو جنون، وعندما حاولتْ ثنيه عنها بالمنطق فنّد لها حُجَجها كلها، وبدأ يكلمها بصوته الخافت المعسول حتى لَان قلبها. حينها فقط لم تجد حلاً آخر سوى أن تتهرب منه وتتجنبه.       ...

صائدُ الوِزّين

صورة
إبراهيم جعفر مكرم      ”فائزة بجائزة تشجيعية من منتدى البوتقة“          أتتْ أخبارُ الحرب أخيراً يا "أبو سَيَّل"، حزينة وثقيلة على قلبِكَ، وبلا نهاية للتفاصيل، تسوقها إليكَ رائحة البارودِ وضجيج الأنتنوف ودوي المطر، والذكريات المُرّة للأولاد والأحفاد.. الموتُ بالطبع في كل بيتٍ، ونصيبكَ منه اليوم ثلاثة من خِيرة بطونك، لن تتمكن مجدداً من سماع قهقهاتهم وهم يسوقون المِرحَال... لا بأس إذن أيُّها العجوز صائدُ الوِزّين.. لا تبكِ أمام الحكّامات أو الرضع الجياع في معسكر النزوح، لا تبكِ أمام الله أو الشيطان أو المنظمات، ليس أمام أحد.. فقط دع عينيكَ الغائرتين تلمعان، دعهما تحلمان بمرجٍ كامل من الحصاد، على مدِّ شعاع الشمس، على مدِّ قطيع الأبقار القادمة من الجنوب، على مدِّ الصلوات والحِجبات المربوطة حول العضد، على مدِّ الرقص والنقارة.. وأصنع لنفسك سجناً فسيحاً من الذاكرة، يكفي لأن تُروّض فيه أمانيك الخجولة، ولا يكون أبداً سوى للأيام البيضاء، أيام صيد الوِزّين.      لطالما ظننتَ يا "أبو سيّل" أن الحياة بأكملها عبارة عن وِزّينة بريّة تعوم داخل خور ...

حلم

صورة
إ. ج. م .     اِلتقيتُها في غفوة ظهيرة ما. كانت منهكة ويبدو عليها التعب، وبالطريقة التي نظرتْ لي من خلالها عرفتُ بأنها لم تتوقع أن يزورها أحد. تململتْ: (بربكم، إنه منتصف النهار!) وحين لم أبدِ أي خيار تقدمت نحوي قائلة: (إنه وقت راحتي، فهلَّا أنهيت الأمر بسرعة). وهمت مستسلمة لنزع رداءها.        كان المكان مألوفاً، غرفة فارغة للأحلام السريعة، به سرير تجلس عليه إيروتيكا التي باتت الآن عارية. ندهت عليَّ: (تعال وخلصنا، ليس لدي كل اليوم هنا من أجلك!).       أنا لم أكن قط متهيئاً للقاء كهذا، ليس بهذه الطريقة، وفي الأصل لم أعرف ما الذي أتى بي. قلت لها: (لست في المزاج).     لعنتني: (ومن هو الذي في المزاج؟! لقد عاشرتُ نصف الكرة الأرضية بالأمس، والليلة سأعاشر نصفهم الآخر)..      هززت لها رأسي، فالأمر برمته لا يعنيني، ثم انشغلتُ بمراقبة ساعة فضية على الحائط. تبرمت إيروتيكا وارتدت ملابسها بإهمال، بجامة فضفاضة، وانتظرت علّي أظهر تعقيباً ما، مواساة ما، لكنني لم أفعل... حينها استوتْ على السرير، تأملتني بفضول، همست: (أيام عصيبة، هه؟!)،...

انطلوجيا عربجي المرسيدس

صورة
إبراهيم جعفر مكرم     مات الحمارُ في الغدو الباكر، وهذا بالتحديد هو أسوأ ما يمكن أن يحدث لصبي الكارو.. أن ينفق حماره الرمادي، وأن يتزامن ذلك مع شقشقة الطيور الأولى؛ أي قبيل البدء بيوم عمل شاق وليس بعده!      فكر الصبي: (يا للأسى!) وزم شفتيه بغيظ، وراح يحك شحمة أذنه اليسرى لتبدو البلاهة على محياه، تساءل: (لماذا تسلم الحمير -الرمادية منها بالذات- أرواحها في الصباح بدل أن تؤديها في اﻷوقات التي هي أصلا معدة للموت؟!) تمعن: (كوقت القيلولة التي مضى فيها أبي!) وسكن دون تعابير توصله للإدراك الحسي، ودون حتى أن يجد شيئاً يحمله على الصلاة أو مجرد الغفران...      لكن بعد ساعة، عندما حركت نسمة هواء شعر الحمار وتخللته، خالج الفتى الاضطراب، وقدر أنه يجب الصفح عن "كج". بالطبع ليس ﻷنه كان حماراً مطيعاً، فهو أبداً ليس كذلك؛ فحينما يضربه على ظهره ويناديه هيي كج ، فالنسرع.. يلبي نداءه بعجز. لكنه قرر العفو فقط ﻷن حماره الرمادي بدى لوهلة مختلفاً، كأنه يحمل في دواخله روح حصان دؤوب. ولولا موته المبكر، قبيل أداءه لواجبه، لأقسم بأن الذي قضى نحبه جواد أصيل!     ...

البِنْتُ الوَرْدَة و فَتَى المِيْزان

صورة
إبراهيم جعفر مكرم       كُلَّ يوم، مُبكّرة جداً أو مُتأخرة، تقف البنت الوردة أمام فتى الميزان، ذاك الذي يكسب رزقه من قياس أوزان السَّابِلة. تعطيه جنيهاً أو جنيهين، ثم تصعد على المَنَصَّة، مُنتصبةً ويديها حرتين، ثم عندما يسجل الميزان وزنها، تكتبه داخل مفكرة وتمضي..         البنت الوردة نحيلة، تمرُّ من بين قلوب الرجال دون أن تعلق، خفيفة، تداعبها ريح المشاعر فلا تحطّ.. عيناها غائرتان، بُنيّان.. وخدّاها محفوران منسيان، يُظهران بوضوح عظمتي الوجنتين والشدقين... هي عادة ما ترتدي بلوزة فضفاضة وبنطال، على شعرها الأسود تضع خماراً ينسدل فوق كتفها، حقيبتها رمادية بذات لون حذاء الصندل، وعطرها باهت لا يمكن تذكره إلا في غيابها.. حينما تتكلم تصبح تلقائية، حرّة ومندفعة، وحينما تصمت تكثر من الإصغاء وهزّ الرأس... صوتها ربما يكون صوت طفل، لكن ضحكتها ونحيبها يشبهان الليل.. هي جميلة، ولها حبيب منفتح على العالم، وخطيبين سابقين، وأصدقاء وزملاء.. لها شامة فوق حاجبها الأيسر، تدسها بالمكياج، ولها مفاهيم معقدة في ما يتعلق بالدين والرب والمجتمع..         فتى ا...

عبيـد - مسرحية من فصل واحد

صورة
إبراهيم جعفر مُكرم   ● الشخصيات الرئيسية : • عبيد : متظاهر سلمي في احتجاجات ضد الدولة، وهو كذلك شاهد عيان جريمة قتل السيدة "نور"... خلال كل هذه المسرحية لن يتحدث عبيد كثيراً إنما فقط سيؤدي دور حركي تعبيري درامي. • الصوت 1 : هو صوت المتحري الأول، ويبدو بشعاً وله نخنخة ونغم أنفي، يتلاحق كلامه كأنه صادر من شيطان.. • الصوت 2 : هو صوت المتحري الثاني، وهو صوت هادئ جداً ومتعقل، ويحوي في نبراته خبثاً ومكراً..

الكلمة غير القابلة للنطق

صورة
إبراهيم جعفر مُكرم    [ ﻟﻮ أن اﻻﺳﻢَ ‏ "ﻛﻤﺎ ﻳﺰﻋﻢُ اﻹﻏﺮﻳﻘﻲُ ﻓﻲ اﻟﻜﺮاﺗﻴﻠﻮ" ﻋﺒﺎرةٌ ﻋﻦ ﻫﻴﻜﻞِ اﻟﺸﻲء، إذن ﻟﻜﺎﻧﺖ الوردةُ ﻓﻲ اﻟﺤﺮوف اﻟﺘﻲ ﺗﺘﻬﺠﻰ ”اﻟﻮردة“، و ﻟﺘﺪﻓﻖَ ﻛﻞُ اﻟﻨﻴﻞِ ﻓﻲ ﻛﻠﻤﺔِ ”اﻟﻨﻴﻞ “ ]   خورخي لويس بورخيس _______      منذ زمن بعيد، فكَّرَ بأن الكلمة التي يقولها تتحقق، لذلك تملَّكَه الفزع والخوف، وفضل أن يكون صامتاً... استغرب الناسُ الأمرَ في البداية؛ أن يضيعَ صوتُ أحدهم ويعجز عن التعبير، لكنهم مع مرور الوقت اعتادوا على سكونه الحجري وشروده الدائم، وحينما أخفقوا في مداواة خرسه ، نسوه تماماً كما ينسون الأشياء التي لا تصدر جلبة.        هو أيضاً في النهاية ملَّ من كونه أبكماً محاصراً بلغة الإشارة، وأراد أن يجرب، أن يختبر الحدّة الحقيقية لنبرة الصوت، أن يسمع بوضوح كلامه ويراه، لمرة على الأقل.. فوقف عند مقدمة الشارع، ببساطة، منحنياً للأمام وماداً يديه كأنهما أجنحة نسر، ثم تحدث بأول شيء خطر في باله، قال بصوت مسموع: ”محيط!“ لكن ما تسرب من حنجرته لم يكن تدفقاً هوائياً للكلمة بقدر ما كان اندفاعاً مائياً من مفاصل الصوت، تشكلاً كاملاً للهدير والموج و...