عبث

 فائزة بجائزة قصص على الهواء - إذاعة مونت كارلو/ مجلة العربي
إبراهيم جعفر مكرم

1

         إن أكثر شيءٍ يمكن أن يبدو غريباً، هو وجود ذبابة تحاول الخروج عبر نافذة زجاج مغلقة؛ ذلك العبث اللا نهائي للمحاولات الفاشلة، تفاني الهمة والإصرار.. ثم الاصطدام بحاجز شفاف غير مرئي والسقوط بخزي.  فدون أن تعي السبب تهوى الذبابة في كل مرة إلى أسفل، متأرجحة بأجنحتها، متألمة على الأرجح، وعاجزة تماماً.  إنها حقاً ترى ضوء الشمس وتشعر بلسعة حرارته لكنها لا تطوله، فقط تزنّ عندما يكون الوجع خفيفاً، تحلق مسرعة، تطير وتحلم وتأمل... وحينما تتعب، في النهاية، تطير بلا صوت، ترتطم بلا استسلام، وتموت.!

2

      عندما حاول الكاتب الشاب المبتدئ أن ينشر أقصوصة الذبابة التي احتجزتها نافذة، قال له محرر الصحيفة إنها رائعة، الفكرة والأسلوب وما إلى ذلك، سننشرها لك في عددنا القادم، حسناً أو بعد القادم، أرسل لنا بيناتك الشخصية، أنت تعرف؛ الاسم والعنوان والبريد والهاتف، وصورة واضحة تكون فيها مبتسماً... سننشرها لك بالتأكيد، دام أنها قصة مناسبة ومهضومة ، ...، إنها فاتحة خير لتعاون مشترك، نحن ندعم الشاب، ...، سننشرها لك، سننشرها.!

3

    بعد سنوات، كتب الكاتب المبتدئ الذي لم يعد شاباً، حكاية الكاتب الذي فشل في نشر أقصوصة ذبابة حجزتها نافذة. كانت قصة أخرى رائعة ومليئة بالحزن والمشاعر، ذلك لأنها تحمل حكايته هو بالذات... لكن الناشر عندما قرأها أحس بشيء من التحامل، فآثر أن لا ينشرها مكتفياً بوعود مموهة وشروط.. قال له بأنه كاتب جيد، لا بل ممتاز، لكن عليه أن يركز في ما يتعلق بمستوى سير الشخوص وفق الأحداث، وأن ينتبه للزمان والمكان داخل النص.!

4

       لم يفهم الكاتب المبتدئ، الذي بات عجوزاً، معنى سير الشخوص وفق مجريات الزمكان، لكنه قبل أن يموت كتب قصة أخيرة؛ قصة كاتب مبتدئ كتب قصة شاب كتب حكاية ذبابة، ولم يُشر فيها على الإطلاق إلى الناشر أو الزجاج أو المعاناة، كتبها فقط وانطلق يطن.!


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الصف

عجز

حكاية الزول الذي صدمته سيارة جيب