علبة صفيح

إبراهيم جعفر مكرم


      أتسمع الفرقعة؟ الـ طرك طاق اللعينة التي تصدر مني حين أغمض عينيّ وأفتحهما، حينما أتثاءب وأمدُّ لك لساني لاعقاً شفتي؟!

      لا؟ إذن عليكَ أن تدقق أكثر وتنصت لكم أنا عُلبة صفيح. ركز في البثور. في التربيع الحاد للحواف، للزوايا القائمة والمطروقة، للفراغات والجروح والصدأ. هذا كل ما في الأمر؛ مجرد علبة صفيح .!

     أتود أن تتأكد؟ حسناً تحسس هنا، هنا تماماً داخل الإبط، مرر أناملك برفق وستجدني خاوياً وأجوفاً، حديدياً متجمداً. اِلمس برفق ولا تدغدغ، انقر بأطراف أصابعك، اقرع لحناً مهترئاً، نغماً جنائزياً معدماً؛ طق طرك طق طاق. صلاة كنائسية مقدسة، لكل الذين رحلوا... آمين!

      أتسأل ما الذي سبب لي هذه العرجة، وهذه الحروق في عنقي؟! لا شيء مهم. لا شيء أبداً أيها السيد المحترم. سوى أنني ومنذ سنوات أقف كمزهرية متحجرة منتصباً تحت الشمس، ودون أن أرتجف تحت المطر والبرد.. لتنبت مني في الأخير ورود متعفنة. لقد ثُقبتُ بمسامير، شُددت بأسلاك مؤلمة ووضعت كعش داخل قفص حمام. مازال بإمكانك أن تعثر داخلي على بقايا القش وقشر البيض والأجنة النافقة، مازال بإمكانك أن تشم مني -عندما أعطس- رائحة الريش وصوت خفقان الأجنحة وغمغمات الهديل. وذاك الثقب هناك، عند أسفل قدمي العرجاء، صنعته الفئران المتطفلة.

   طووك طرك طاااك. انقرني بحدة وغضب وضجيج، انقرني كطبل بائس و دَعْ الصدى يسكن الظلال، فصوتي ما يزال أرق من مدافع الدوشكا وأحن من أنين القنابل. هيَّا أزعج بي النائمين ومقابر الهلاك الجماعي، أيقظ مشاعر الآلهة، اكسر الزجاج واطغى على الرصاص. فما الذي بيد علبة صفيح أن يفعله للعالم أكثر من ذلك، من أن يؤرق مضجعهم.

        تقول لي بأنك تودُّ أن تعرف منذ متى وأنا علبة صفيح؟! لا أدري، لكني أعرف بأنه إذا ما رميت حصاة في جوفي فستبدو لك وكأنك ترميها داخل صفيح. لذا لا تفعل. لا ترمني بحجارة أو رصاص، ولا تضربني بعقب بندقيتك. لقد فعلوا ذلك بي مرة حينما جاءت الحرب. كنت صغيراً وماتت أمي للتو، فأمرني الضابط أن أقف وظهري على برميل الصفيح، وأن أخبره أين رحلت أمي بالتحديد. أين ترحل الأمهات حينما يمتن؟! كان البرميل ساخناً أيها السيد، ملتهباً وكاوياً، وكان عليَّ أن ألتصق به دون أن أتحرك، دون أن أجلس أو أرتاح. ولساعات وساعات، ظل الألم فيني يكبر ويحتدم، وظل رأسي يتحول إلى صفيح، كل جسمي تحول إلى صفيح، كل العالم تحول إلى صفيح. صفيح داخل صفيح داخل صفيح.

      تستفسرني هل أطلق الضابط النار على قدمي؟ سيدي اسأل الحمام، واكتب في تقريرك أن الضابط اعتدى على الولد الصفيحة.. لذلك أسروني داخل قفص، حشروني هناك مع الطيور. لأيام طويلة، لا آكل عدا الريش والبيض النيء.

      الآن انقرني ببطء يا سيدي، طق طرق طاق، وبإيقاع رمادي. وغنِّ كيفما شئت، غنِّ جلالاتك العسكرية كلها، واضرب مرشاتك وأدِّ التحية، للبيوت الخربة المسقوفة بالصفيح، للجدران المنهارة المنقضة، للطفل العاري بداخلها، بداخلي، الذي يود أن يصنع من علبة الصفيح لعبة عربة.!

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الصف

عجز

حكاية الزول الذي صدمته سيارة جيب