السلَّاميون ومتلازمة كورور

 

إبراهيم جعفر مُكرم 

    إن أول مرة سمعت فيها مصطلح السلاميون أو المصافحون كان مع بداية الألفية الثانية، حين سرت شائعة عن أن مصافحة الغرباء باتت تؤدي إلى اختفاء الأعضاء الذكورية، حرفياً! ومع ثرثرة الجميع تحول الأمر إلى ظاهرة أصابت الناس بالفزع، حتى أن لجان الأحياء عقدت اجتماعات عاصفة تكلموا فيها عن مجيء غرباء من نيجيريا يمارسون سحرهم الأسود ويسلبون الفحولة.. وبات على الناس أن يتجنبوا مصافحة الأيدي، ويحرموا الغرباء من دخول مناطقهم!

      متلازمة ’’كورو“ هي حالة لم يجد لها الأطباء تفسيراً منطقياً، فصنفها أطباء النفس في خانة أمراض الثقافة؛ تلك التي تنشأ داخل مجتمع بعينه دون آخر بسبب عاداته وتقاليده.. وقد ربط الأطباء اختفاء الأعضاء التناسلية للجنسين و ضمورها في متلازمة الكورو بالمستوى المعيشي والاقتصادي وفعالية التعليم والتوعية... الحكاية بدأت من الصين، منذ ما قبل الميلاد، أيام الإمبراطور (مو يوان دي)، لكنها لم تكن تمثل تهديداً حتى أواسط القرن الماضي، حين تحول الداء إلى وباء اجتاح جنوب الصين بأسره.. كان يصيب خلال كل جائحة ما يقارب الثلاثة آلاف شخص، بل ويتسبب في الوفيات الناتجة عن سوء التعامل والفزع، ويكفي أن يمرض رجل ما حتى تنتقل العدوى إلى كل عائلته وأصدقائه... في عام 1965م كان الداء قد حل على كل من ماليزيا واندونيسيا والهند واليابان، وفي سنغافورة وحدها أصيب خمسة آلاف شخص بعد أكلهم الخنازير الملقحة ضد الأنفلونزا، وتدخل الإعلام المحلي وقتها بشكل صريح ليؤكد للناس أنها مجرد خرافة وأن الرجل السنغافوري صحيح مثل الثور... أما تايلاند فقد حدثت فيها حالات مماثلة بعد التسمم باختلاط التبغ مع الطعام المحلي.. لكن الشيوعيين الفيتناميين كانوا هم الأكثر دهاءً حين استخدموا ذات الشائعة لحشد تأييد الشعب وترهيب من يعاديهم...

      مع بداية السبعينيات كان الكورو قد وصل إلى أفريقيا، تحديداً منطقتي غرب نيجيريا وجنوب الكاميرون، وارتبط عند الأهالي بمصطلح ’’سارقي الذكورة“، كان سحرة ”الجوجو“ هم ناشري الوباء؛ والفكرة أنهم يخصونك مقابل أن تفدي نفسك. كانت شوارع نيجيريا تضج بالعراة الهلعين الذين يعرضون اختفاء أجزاء حساسة من أجسادهم للعامة.. وفي عام 1990م كان سارقو الذكورة في كل غرب القارة السمراء؛ مروراً بغانا، كوت ديفوار، مالي، غينيا، غامبيا، والسنغال.. بل حتى أنه في عام 1997م حدثت أعمال شغب في كتونو عاصمة بنين راح ضحيتها العشرات كرد فعل ضد كل من اعتقد بأنهم لصوص ذكورة... بعدها انتقل الوباء إلى تشاد ووسط إفريقيا، وبسرعة النار في الهشيم أصاب يوغندا، كينيا وإثيوبيا.. ثم في سبتمبر من العام 2003م، تفشت رقعته لتضرب الخرطوم!

        الآن ربما يبدو الأمر سخيفاً، لكن في 2003م كان لابد وأن ترى الهلع يشع من العيون... حيث تم حجز الأطفال من الذهاب إلى المدارس،  وأغلقت الطرق الداخلية في بعض الوحدات السكنية الطرفية، وتجنب الناس التجمعات، وتبعاً لذلك أصاب الركود الأسواق التجارية، وأضحت الخرطوم بين ليلة وضحاها مدينة متوجسة!

     وهكذا أخذ الناس ”الكورو“ على محمل الجد، وما عقد الأمور هو نزوح كم هائل من النيجيريين والتشاديين بسبب المجاعة والحرب الأهلية وتواجدوا في الطرقات بملابسهم التقليدية.. وبالتدريج آمن البعض أنه من الممكن للرجولة أن تسلب بمجرد مصافحة، وانتشرت مئات القصص عن الكيفية التي تسحب بها الأجزاء الحساسة للضحايا إلى داخل بطونهم.. كان سلام الأيدي قد منع، وتمت الاستعاضة عنه بتلويحة سريعة من بعيد. لم يعد أحد يقبل أن يلامس كف الآخر، وإن اضطر وحدث، تجد أن أول ما يفعله هو الاطمئنان على ممتلكاته الخاصة!

       مصطلح ”كورو“ مستعار من لغة ’’الملايو“ وتعني رأس السلحفاة، إشارة إلى الطريقة التي تخبئ بها السلاحف رأسها. عادة يشكو المصاب من نوبة قلق شديدة بسبب اعتقاده أن الأعضاء التناسلية سرقت أو انكمشت داخل بطنه، ذلك على الرغم من عدم وجود أي تغيرات حقيقية على شكل وهيئة الأعضاء التناسلية، يرافقه بسبب التوتر إحساس كاذب بالتنميل والخدر، ضعف انتصاب، انكماش كيس الخصية، يفقد المصاب معه شهيته للأكل، يتشتت تركيزه، ويجافيه النوم. تستمر هذه النوبة في الغالب عدة ساعات، لكنها يمكن أن تمتد إلى أسابيع أو حتى أشهر. 

       كان الخوف لدى المرضى ينبع من أفكار متعلقة بالفقدان الدائم للفحولة، خسارة قدراتهم الجنسية، تبدل الجنس إلى أنثى، الخصي والعقم، انسداد مجرى البول، السحر وتلبس الجن.

      تكمن المشكلة دائما في الممارسات المتبعة في العلاج، حيث يقوم المرضى المرعوبين بسحب القضيب يدوياً وشده عبر الحبال، أو ربطه ولفه بحلقات دائرية مخافة انكماشه، مما قد يؤدي إلى أضرار بالغة في العضو الذكري والخصيتين.

        تظهر نوبات وباء متلازمة الكورو كشكل من أشكال الهستيريا الجماعية المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بتقاليد المجتمعات. ففي السودان كان الطقس العام مهيئاً في الأساس بخرافات فقدان الفحولة؛ الأحزمة الجلدية الممغنطة، الأمشاط الكهربائية المستوردة وبعض الأدوية، ولم نحتج لمساعدة  لتفشي وباء الكورو!

     مازلت أذكر آن ذاك الحملة التوعوية الضخمة بإشراف وزير الصحة نفسه لطمأنة المواطنين، مع أن الأمر في البداية أدى إلى نتائج عكسية؛ فلا دخان بلا نار! وما زاد الطين التناول المكثف من قبل الصحف الاجتماعية اليومية، حيث ظلت صحيفة صفراء بعينها تتكسب من نشر أخبار الجائحة في مساحة كبيرة ومتسلسلة من الأخبار والحقائق الملفقة.. سقطة أخلاقية للمهنية الصحفية!

        حكى لي صديقي الطبيب حاتم أبو زروق، أخصائي أمراض الذكورة والعقم، أنهم شكلو لجنة عليا في مستشفى الخرطوم برئاسة أخصائي طب نفسي ومشاركة استشاري جلدية وجراح مسالك بولية، وبالكاد كانت  غرفة الطوارئ تلك تكفي لاستقبال مئات المرضى الهستيريين الذين عانوا من وهم اختفاء أعضائهم الحساسة.. كانت طريقة العلاج التي استخدموها بسيطة، وتعتمد بشكل كبير على الإيحاء والإيهام، بحقن المريض بعقار مدررات البول (اللازكس) والمحاليل الوريدية، على أن يتم تطمينه بأن عضوه سيعود بعد تكرار ذهابه للحمام.

       في أماكن أخرى أخذت طرق العلاج منحنيات خطيرة، وأذكر جيداً أن أحد أقاربي قد تعرض للسطو.. قال: (من أين يأتي النيجيريون بتلك الحيل؟! كنت أمشي على مهل في دلالة سوق الجمعة للمستلزمات المستعملة، حين انتزع أحدهم يدي غصباً وصافحها.. وفجأة وجدت أن كل شيء اختفى، العضو والخصيتان.. ولا أدس عنكم مقدار الخوف الذي تملكني، كان النيجيري يقف ساكناً دون أن يرمش له جفن، عيناه المحمرتان تلج مباشرة أعماق عقلي. كان جسمه مغطى بالتمائم وسلاسل العظام الصغيرة، ويحمل على ظهره حقيبة متوسطة من الخيش، يا إلهي.. تخيل أنهم يضعون أغلى ما تملك داخل كيس من الخيش... أوضح لي النيجيري أنه لكي تعاد ممتلكاتي يتوجب أن أدفع مئة ألف دينار. ابن اللعينة قال أن هذا مبلغ بسيط، لأن أعضائي ليست ذات فائدة .. وهكذا ساومته على عشرين ألف دينار بالتراضي، وبدل أن أشتري من الدلالة أشياء مستعملة اشتريت أشيائي!)

      أوضح الناس لقريبي أنه ما كان له أن يساوم على شيء غال كذاك، فقد أعاد النيجيري نصف فحولته فقط، والنصف الثاني استعاده بعد جلسات طويلة من الرقية والمحايات وشيوخ السحر وما إلى ذلك، خسر فيها مبالغ طائلة... وللمفارقة بات هو من يمزح في النهاية بأن أعضاءه التي أعاد شراؤها لم تكن تسوي سوى ما يكفي لاقتناء أشياء خروف!

     لجأت منظمة الصحة العالمية إلى عمل دورات تدريبية عن كيفية محاربة الكورو، وأجرت عدة دراسات على الآثار العضوية والنفسية المترتبة عن المرض.. وحتى الآن ماتزال دول مثل تنزانيا والكنغو ومالاوي تسجل عدة حالات من الوباء الجماعي، والذي يظل هو خوف الفحولة الأول..!

      الوعي والتعليم وإتاحة المعرفة من أهم وسائل علاج ومكافحة الأمراض المتعلقة بثقافة المجتمع.. للأسف في السودان مازال أغلب الناس يؤمنون بوجود شجرة سدر تشفي السرطان، بول طفل صالح لعلاج داء السكر، ودموع حاجة عجوز للشفاء من العقم. وإذا ما لم يتم العمل على برنامج لرفع المعرفة وإزالة مثل هذه الخرافات فإننا موعودون بموجات أكبر.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الصف

عجز

حكاية الزول الذي صدمته سيارة جيب